إعلان

تابعنا على فيسبوك

المستثنى../ د. اسحاق الكنتي

اثنين, 10/08/2026 - 12:33

"قرار الإبعاد وتنفيذه، في حق الجميع، تم على مراحل استغرقت بضعة أشهر بدأت من سنة 1416 إلى 1417ه {من خريف سنة 1995 إلى صيف 1996م}" مذكرات، ج1، ص:351. لعل من الغريب أن هذا القرار الشامل استثنيت منه شخصية واحدة.. " لم يشملني قرار الإبعاد مع الشيخ أسامة حين أبعد من السودان، فلم أكن في ذلك الوقت قد اشتهر ارتباطي به، فبقيت في السودان لمتابعة دراساتي العليا في العاصمة، وبعلم السلطات السودانية التي كانت تربطني بها علاقات طيبة"، ص:370.

لعل من الصعب قبول التعليل الذي قدمه ولد الوالد لاستثنائه من قرار الابعاد الذي شمل الجميع: "فلم أكن في ذلك الوقت قد اشتهر ارتباطي به"، يقصد الشيخ أسامة. لقد أسهب وأطنب، في الصفحات السابقة في وصف مكانته المركزية في التنظيم الذي كان منظّره، وقربه الشديد من الشيخ، الذي كان يراه يوميا في المضافة، وكان يقيم في شقة مجاورة لبيته. كما تبجح، في صفحات كثيرة بقوة تأثيره على الشيخ "وكنت ممن ساهم في إقناعه بتوجهه الجديد."ص:340. وربما نهض بدور كاتبه الخاص: "وكنت شخصيا من تولى تحرير الرسالة، ولم أبال بلوم ومعارضة بعض الإخوة الذين كانوا يرون في تلك الرسالة مداهنة لا داعي لها." نفس الصفحة.

يتعلق الأمر برسالة يقول ولد الوالد إن أسامة بعثها لولي العهد السعودي تتضمن عرضا بإجراء إصلاحات على النظام في السعودية، مع تعهد أسامة بالامتناع عن أعمال العنف ضد النظام. بقيت الرسالة دون رد. كما تحدث عن دوره في تشريفات الشيخ؛ فقد كان ينظم بعض مواعيده مع شخصيات تشارك في المؤتمر الإسلامي الذي تنظمه حكومة الإنقاذ سنويا.."وكان بعض هؤلاء الضيوف يوظف فرصة المؤتمر لزيارة الشيخ أسامة، وكان ذلك يجري من خلالي أحيانا." ص:301. يضع ولد الوالد عنوانا فرعيا: علاقة مميزة مع الشيخ أسامة بن لادن، يبرهن عليها بوقائع.."فأصبحت أحضر معه جلسات مجلس شورى التنظيم، مع أني في ذلك الوقت لست عضوا فيه. كما أصبح يوكل إلي النظر الشرعي في بعض الأمور المالية المتعلقة بشركات استثماره." ص:236. هل يمكن، مع كل هذا، القول إن ارتباط ولد الوالد بأسامة "لم يكن قد اشتهر"، حين تم إبعاد جميع أفراد التنظيمات المتطرفة من السودان؟ لا يبدو الأمر مقنعا. لذلك يجب البحث عن تبرير ذلك الاستثناء في مكان آخر...

يقول ولد الوالد "في أواخر عام 1998م، أخبرني ضابط الاتصال السوداني برغبته في الحصول على بعض المعلومات المتعلقة بي شخصيا. وذلك، كما قال، بهدف إعداد ملف شخصي عني ستقدمه الحكومة السودانية للأمريكان لإثبات عدم ارتباطي بأي عمل (إرهابي)، كما قالوا، وبيان أن وجودي في السودان كان وما زال بهدف الدراسة في جامعاتها."368. لقد تم "تبييض" ولد الوالد لدى الأجهزة الأمريكية بمعلومات كاذبة شارك هو في الإدلاء بها. فقد صرح: "فذهبت إلى السودان ليس بهدف الدراسة فقط، بل بهدف الالتحاق بالمجاهدين هناك..." ص:222. ولعل الدراسة لم تكن سوى غطاء بدليل أنه انشغل عنها بالنشاط في صفوف القاعدة، ولم يلتفت إليها إلا حين أصبحت غطاء يستخدمه للإفلات من الابعاد. الهدف من ملف الأمن السوداني هو تبرئة ولد الوالد من "الجهاد" الذي يصف نفسه به اليوم.

مكن هذا الاستثناء ولد الوالد من متابعة دراساته العليا، والحصول على منحة دراسية موريتانية، والاشتغال بالعمل النقابي الطلابي. في خضم كل هذا سيكتشف، بحاسته السادسة، محاولة خطيرة لتصفيته. "... انتابني شعور غريب وغامض بأني مراقب من قبل جهة مخابراتية أجنبية." ص:370. حتى الحاسة السادسة لجيمس بوند لم تمتلك كل التفاصيل: "جهة مخابراتية أجنبية". يمكن للمرء أن يشعر أنه مراقب. لكن كيف يمكن، عبر الشعور، تحديد هوية الجهة التي تقوم بالمراقبة؟ كان صاحبنا يقيم في الغرفة رقم 13 في أحد فنادق الخرطوم. أبلغته الاستعلامات بوجود شخص يريد مقابلته.. "كان الأمر مريبا لو حصل مع شخص عادي، فكيف بشخص تلاحقه أمريكا وأجهزة مخابرات العالم من ورائها، وقد أصدر رئيس أكبر دولة في الدنيا أمرا بقتله أو اختطافه!!" ص: 371.

هذا تناقض صارخ؛ في الصفحة 370 تعلل استثناءك من الترحيل مع المجموعات المتطرفة من السودان بأن ارتباطك ببن لادن "لم يكن قد اشتهر". كان ذلك سنة 1996. بقيت في السودان طالبا موريتانيا يحضر رسالة الماجستير، وبعدت الشقة بينك والقاعدة. ثم تؤكد أنك سنة 1998 شخص ملاحق من قبل أمريكا وأجهزة مخابرات العالم من ورائها، وأن رئيس أكبر دولة في العالم أمر بقتلك أو اختطافك. فما الذي استجد؟ "وفقا لتقارير لجنة 11 سبتمبر الاستخباراتية الأمريكية رصدت الاستخبارات الأمريكية في أواخر عام 1998 وجود أبي حفص الموريتاني في الغرفة رقم 13 بفندق الدانة في الخرطوم. في ذلك الوقت، بعد تفجير السفارات الأمريكية في نيروبي ودار السلام، درست إدارة بيل كلينتون بجدية إصدار أمر بعملية كوماندوس عالية المخاطر لاعتقاله أو تصفيته، ولكن تم التراجع عن الخطة وإلغاء العملية بسبب خطورتها العالية، وعدم ضمان نجاحها." ذاك نص تقرير لجنة الحادي عشر من سبتمبر. لم يصدر أي أمر باعتقال، أو تصفية ولد الوالد، وإنما تم التفكير في ذلك، وتم التراجع عنه. ومن تاريخه سيستثنى ولد الوالد، من بين قيادات القاعدة من الملاحقات الدولية لتنظيم القاعدة أفرادا وقيادات.

يقدم ولد الوالد رواية مخالفة ينسبها لتقارير "استخباراتية أمريكية مثيرة قدم بعضها للجنة الكونغرس التي شكلت للتحقيق في أحداث سبتمبر."ص:371. تقول هذه التقارير، حسب ولد الوالد، إن ما أفشل عملية قتله، أو اختطافه هو خروجه المفاجئ من الفندق، وهو استخفاف بعقول قرائه. فما داموا قد حددوا رقم الغرفة التي أقام فيها في فندق الدانة، فما الذي يمنعهم من معرفة مكان إقامته الجديد؟

ستسعف ولد الوالد، مرة أخرى، حاسته السادسة في كشف خلية أخرى تخطط لإيذائه.. "وقع في نفسي أنهم خلية مخابرات تعمل لصالح دولة أجنبية." 372. في هذه المرة يقرر ولد الوالد لعب دور جيمس بوند بإخراج الأمن السوداني. "كان بإمكاني شخصيا، ودون مساعدة من الأمن السوداني، أن أتعرف على الجهة التي تتابعني وأتخلص من المتابعة بطرقي الخاصة، ولكني أـردت إيقاع خلية التجسس في فخ من جنس فخاخهم التي ينصبون لفرائسهم."372. لعل القارئ يتساءل من أين اكتسب ولد الوالد "طرقه الخاصة" في كشف خلايا التجسس، والتخلص من مراقبتها؟ فحسب ما يرويه في مذكراته لم يخرج نشاطه عن الاعلام، والوعظ والإرشاد، ولم يتلق أي تدريب أمني على اكتشاف المراقبة والتخلص منها. وهو تدريب خاص بضباط وكالات التجسس، خاصة الضباط الذين يعملون دون غطاء دبلوماسي... اتفق صاحبنا مع الأمن السوداني على نصب كمين محكم للخلية التي جاءت إلى الجامعة تحت غطاء الاستفادة من بحث ولد الوالد والتحدث إليه. نسق ولد الوالد مع الأمن السوداني وأعطى موعدا للخلية يلتقيها فيه في الجامعة. حضر الفريقان إلى الجامعة؛ خلية التجسس، وكمين الامن السوداني الذي اتفق مع ولد الوالد على التغيب بعذر عن الموعد، وتحديد موعد جديد للخلية. لكن الغريب أن ولد الوالد، رغم غيابه، حصل على معلومات دقيقة، لا ينسبها إلى أي مصدر، عن خلية الجواسيس.. " الفريق الأول كانت لديه مواصفات الضحية المفترضة كاملة بما فيها نوعية السيارة ولونها وشكل الملابس، وحتى طريقة لف العمامة!! "373. وتصل دقة معلوماته إلى معرفة كيف توزعت المجموعة، بل كيف أوقفت سيارتها أمام الكلية.."صعد بعض أفراد الفريق الأول إلى المكتب الذي تم عبره تحديد الموعد، وجلسوا ينتظرون الصيد الثمين. وبقي بعض آخر منتظرا في سيارة ولت ظهرها للكلية، وبقيت تراقب الوضع بعيون خلفية."373. نحن أمام مشهد من مشاهد أفلام هيتشكوك، أو فقرة من روايات أغاتا كريستي. هذا الوصف الدقيق لا يمكن أن يصل إليه إلا من كان في عين المكان، وولد الوالد لم يكن هناك، ولم ينسب معلوماته إلى الأمن السوداني، وإنما أوردها بلغة شاهد العيان...

سيتصل ولد الوالد بالكلية ليحدد موعدا جديدا للقتلة، كما اتفق مع الأمن السوداني، وهو ما كان ينبغي أن يثير شكوك الخلية. لكن ولد الوالد يجد تبريرا منطقيا لغبائهم "... ولكن الصيد السمين، وانفتاح الشهية الاستخباراتية شلت جميع الحواس الأمنية المفترض أنها لديهم."374. ينتهي الفيلم البوليسي نهاية سعيدة، مثل جميع أفلام بوليوود... تعود المجموعة للموعد الجديد فيلقي الأمن السوداني القبض عليها. بعد تحقيق، استخدمت فيه الضربات أكثر من الأسئلة، تبين أن الخلية تعمل تحت قيادة ضابط مصري ملحق بالسفارة، لصالح المخابرات المركزية الأمريكية.

يصور ولد الوالد العملية التي لعب فيها دور الضحية والبطل، "صفعة قاسية للمخابرات الأمريكية وحليفاتها العربية في السودان، وإنجازا مهما لجهاز الأمن السوداني."375. هذا الجهاز، الذي وجه صفعة لكل هذه الأجهزة، سيسخر منه ولد الوالد حين يمر تحت أنفه في مطار الخرطوم متسللا إلى أفغانستان. "فرتبت مع الأمن السوداني وجهة السفر، وموعده، وأنهينا كل الإجراءات المطلوبة. ولكن قبل موعد السفر المتفق عليه معهم كنت قد حجزت على رحلة متجهة وجهة أخرى، وبجواز سفر آخر غير معروف لديهم."376.

رجل مطارد من جميع أجهزة المخابرات الغربية والعربية، مراقب من الأمن السوداني، يسافر من مطار الخرطوم بجواز سفر مزور دون أن ينتبه له أحد!!! إذا كان جواز السفر غير معروف للأمن، فذلك يعني أنه لم يختم فيه دخول إلى السودان. فكيف ختم الأمن خروجا على جواز لم يدخل صاحبه السودان!!! سيناريو في غاية السذاجة، لن يقبل إخراجه، والتمثيل فيه سوى من مثل دور المجاهد، وهو في الحقيقة واعظ بأجر... سيصل المستثنى إلى أفغانستان حيث بدل ولاءاته، فقلب "للمليونير المفلس"؛ العبارة لولد الوالد، ظهر المجن...