إعلان

تابعنا على فيسبوك

إلى الأحزاب السياسية: كونوا أحزاباً/ محمد فال ولد بلّال

ثلاثاء, 15/09/2026 - 17:36

إنّ من الطبيعي لأيّ تشكيل سياسي، أياً كان موقعه على الخريطة السياسية، أن يتحاور مع مؤسسات الدولة ومع السلطة. ومن حقه أن يقدّم المقترحات، ويطرح البدائل، ويساهم في النقاش الوطني، بل وأن يؤيد، حين تكون في الاتجاه الصحيح، بعض القرارات العمومية. فكل ذلك يدخل في صميم الحياة السياسية الطبيعية، بل والضرورية.
 
لكن هناك حدوداً ينبغي لكل حزب سياسي أن يعرفها وأن يدركها: حدود تفصل بين الاقتراح والانخراط، وبين الحوار والمرافقة، وبين المساهمة في النقاش والمشاركة غير المباشرة في عمل السلطة.
 
ولعلّ هذه هي الحدود التي ينبغي لنا اليوم أن نذكّر بها.
 
قد تكون الأفكار ممتازة. وقد تكون التحليلات دقيقة ووجيهة. وقد تكون المقترحات لامعة، ويحملها رجال ونساء لا يرقى الشك إلى نزاهتهم وشجاعتهم وكرامتهم. لكن الحزب السياسي لا يُعرَّف فقط بجودة أفكاره، ولا بالقيمة الأخلاقية لمن يحملونها.
 
إنما يُعرَّف أيضاً بقدرته على تحمّل مسؤوليته الكاملة بوصفه حزباً سياسياً، وأن يعرف، عندما يكون في المعارضة، كيف يعارض، وعندما يكون في السلطة، كيف يحكم ويتحمّل مسؤولية القرارات التي يتخذها.
 
وبالنسبة إلى حزب المعارضة، فإن القدرة على المعارضة تقتضي منه أن يعرف كيف يميّز نفسه، وأن يحافظ على مسافة سياسية واضحة بما يكفي حتى يتمكن المواطن من التمييز بين البديل السياسي للسلطة وبين من يكتفي بمرافقتها.
 
فالخطر الذي يهدد المعارضة لا يتمثل فقط في الانضمام الرسمي إلى السلطة. فقد يكون الانزلاق أكثر دقة من ذلك بكثير: أن تتحول تدريجياً إلى محاور مفضّل، أو خزان للأفكار، أو قوة اقتراح، أو مستشار، من دون أن تمتلك في المقابل سلطة اتخاذ القرار، ومن دون أن تتحمل مسؤولية من يتخذون القرار.
 
ونشاهد شيئا من ذلك اليوم في وقت يعمل فيه "إنصاف" على ترسيخ مصطلح «حزب الدولة» في الذهنية العامة، وكأنه تعبير عادي ينبغي للمجتمع أن يتعايش معه. والحال أننا وصلنا، دستورياً، إلى تحريم رئاسة الحزب على من يتولى رئاسة الجمهورية، بما يفترضه ذلك من وضوح في الفصل بين الدولة والحزب والسلطة السياسية. ومع ذلك، نكاد نصمت أمام تكريس خلط مقصود في أذهان العامة بين "الحزب الحاكم"، و"حزب الدولة"، و"حزب السلطة"، و"حزب الرئيس"، و"الدستورية" و"اللا دستورية"، وكأن هذه التسميات تعني الشيء نفسه أو أن الفروق بينها لم تعد ذات أهمية.
 
وهنا تحديداً تكمن خطورة الانزلاق: حين تبدأ الحدود بين الحزب والدولة، وبين الحزب والسلطة، وبين الموالاة والمعارضة، وبين المسؤولية السياسية والمسؤولية المؤسسية، في التلاشي، يصبح من الصعب على المواطن أن يعرف من يتحدث باسم من، ومن يملك القرار، ومن يتحمل مسؤوليته.
 
واليقظة هنا لا تعني أحزاب المعارضة وحدها، بل تعني جميع الأحزاب السياسية.
 
فلا يمكن للحزب، على المدى الطويل، أن يختزل نفسه في مجرد هيئة للتفكير، أو حلقة من الخبراء، أو مشتل للأفكار الجيدة. فالمنظمات غير الحكومية، والجامعيون، والخبراء، والمثقفون، والجمعيات، لهم جميعاً مكانهم الطبيعي في إنتاج التحليلات والمقترحات. ومساهمتهم ثمينة وضرورية للارتقاء بجودة النقاش العام. لكن دور الحزب السياسي مختلف في طبيعته.
 
هل أنتم بالفعل أحزاب سياسية، تمتلكون طموح التمثيل وممارسة السلطة، أم أنكم تتحولون تدريجياً إلى هياكل للخبرة والاستشارة والمرافقة؟
 
قد يبدو السؤال قاسياً ومستفزا. لكنه ليس اتهاماً، ولا محاكمة للنيات. إنه دعوة إلى اليقظة، وإلى قدر أكبر من الاتساق السياسي.
 
ينبغي للمعارضة أن تكون قادرة على تقديم المقترحات من دون أن تتحول إلى طرف مرافق للسلطة.
 
وفي المقابل، ينبغي للسلطة أن تكون قادرة على الاستماع إلى المعارضة، من دون السعي إلى تحويلها إلى مجرد ذراع مساندة لعملها.
 
كما ينبغي للأحزاب التي توجد في مواقع أخرى من المشهد السياسي ألا تتحول إلى مجرد منصات للخبرة أو قنوات للتأثير غير المباشر.
 
فالحزب السياسي ليس مكتب دراسات، ولا منظمة غير حكومية، ولا هيئة استشارية، ولا مجرد قوة مساندة لمن يتولى السلطة.
 
الحزب الحقيقي هو قوة سياسية لها مشروع، ولها جمهور، ولها خيارات، ولها مسؤولية، ولها - قبل كل شيء - طموح مشروع إلى الوصول إلى السلطة وممارستها وفقاً لرؤيتها.
 
ولهذا، فإن السؤال المطروح اليوم ليس موجهاً إلى حزب بعينه، ولا إلى المعارضة وحدها، ولا إلى السلطة وحدها.
 
إنه سؤال إلى كل الأحزاب السياسية:
 
هل تريدون أن تكونوا أحزاباً سياسية بكل ما تعنيه الكلمة من مسؤولية واستقلال وطموح، أم ترضون لأنفسكم تدريجياً بأن تصبحوا هيئات استشارية، أو أحزاباً مرافقة، أو مجرد «أحزابٍ صورية» (كراتيبل) في مشهد سياسي تختلط فيه الأدوار؟
 
إن وضوح الحدود بين الحزب والدولة، وبين الحزب والسلطة، وبين المعارضة والمرافقة، ليس ترفاً سياسياً. إنه شرط من شروط وضوح الحياة الديمقراطية نفسها.
 
ولعلّ هذه المسؤولية، التي تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها أساسية في أي نظام ديمقراطي، هي ما ينبغي لنا اليوم أن نذكّر به: على الأحزاب أن تكون أحزابا!
 
                          
                          ***** 
 
كأني بالقوم يسارعون إلى القول : بألسنة حداد: ألستم أنتم من أفسدتم الحياة السياسية، ومهّدتم الطريق أمام الحزب الحاكم من خلال prds سيئ الذكر؟ بلى،  ولكن بِمَ جاء غيرنا به من عوامل التقويم والتغيير والإصلاح؟