
الصمود هو سرُّ موريتانيا، طيلة سنوات متتالية من الأزمات، وفي محيط إقليمي مشتعل تنهار فيه الدول بسرعة كبيرة، وسياق عالمي يغلي يوماً بعد يوم، وأسواق دولية غير مستقرة لا يكاد يمرُّ يوم دون أن ترتفع فيها الأسعار.
كل هذا يجعل بلداً من العالم الثالث مثل موريتانيا لا يراهن على أي شيء أكثر من قدرته على الصمود والتأقلم، حتى أصبح يوصف من طرف كثير من الخبراء بأنه «جنة سلام وسط جحيم من الحروب والنزاعات».
ولكن كيف طوّرت موريتانيا قدرتها على الصمود، رغم شحّ الإمكانات؟
لفهم السياق الموريتاني، يكفي أن نقف عند مشهد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، يعقدُ في الليالي الماضية اجتماعاً تحت خيمة، مع عشرات المواطنين، في مدينة وادان، الواحة التاريخية النائمة في عمق الصحراء الموريتانية، على بعد نحو 700 كيلومتر من العاصمة نواكشوط.
منذ وصوله إلى الحكم قبل 7 سنوات، يحرص ولد الغزواني بين الفينة والأخرى، على زيارة الولايات الداخلية والمناطق النائية والمنسية، حيث يجلس مع السكان ليسمع مشاكلهم، ويناقش ويتقاسم معهم بعض الرؤى والأفكار.
هذه الأيام يزور ولاية آدرار، حيث أعاد طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل الدولة، وعلاقتها بالمواطن، ثم توقف كثيراً عند سؤال يرافق الدولة الموريتانية منذ نشأتها: كيف يمكن توفير الخدمات الأساسية لسكان يعيشون في مدن وقرى متباعدة، وسط جغرافيا قاسية وموارد محدودة؟
تتجاوز مساحة موريتانيا مليون كيلومتر مربع، معظمها صحراء، بينما بالكاد يتجاوز عدد السكان 5 ملايين نسمة، وفي بلد بهذه الخصائص، تصبح المسافة عنصراً حاسماً في حساب تكلفة التنمية. فقد تحتاج قرية صغيرة إلى استثمارات كبيرة لتأمين الماء والكهرباء والطرق، ثم إلى موارد دائمة لضمان التشغيل والصيانة. ولهذا، فإن فهم ما تواجهه السلطات من تحديات يبدأ بالنظر إلى الخريطة، وإلى توزع السكان عليها، قبل الاكتفاء بمقارنة المطالب بما تحقق منها.
ولكن هذه المشاريع والاستثمارات ليست تنموية فقط، وإنما في جوهرها جزء من معادلة أمنية معقدة، حيث إنها تضمن حضور الدولة، الذي هو حضور للأمن والسيادة والسلطة.
وحين تغيب الدولة تظهر شبكات الجريمة المنظمة والمجموعات الإرهابية التي تعشق الفراغ.
هذه هي المعادلة المعقدة التي يمسك الرئيس الموريتاني بأطرافها، وهو القادم من عمق المؤسسة العسكرية، لذا فهو يدرك أهمية التواصل مع الناس لتقريب القرار من الواقع، وإتاحة الفرصة أمام السكان لعرض مشكلاتهم بتفاصيلها... والدولة تجلس معهم على نفس الحصير، تسمعُ وترى وتشرح وتناقشُ وتتخذ القرار.
في مدينة أطار، عاصمة المنطقة، جلس الرئيس وبعض وزرائه مع السكان، ناقش معهم أوضاع مدينتهم، ثم تعهد لهم بتعزيز شبكة الكهرباء وترميم الطريق الوطني، والبحث عن حلول دائمة لنقص المياه في منطقة صحراوية تعتمد على زراعة الواحات.
نفس المشهد تكرر في وادان، مدينة العلم والنخيل، حيث أعلن الرئيس لسكانها أن مطلبهم القديم، المتمثل في طريق يربط وادان بشبكة الطرق الوطنية، سيدرج ضمن ميزانية الدولة للعام المقبل، وكان ذلك إجابة عن أهم سؤال يتردد في أذهان سكان المدينة النائية والبعيدة.
من حق المواطنين اعتبار هذه الخدمات واجباً على الدولة، لا منّة فيه لأحد. غير أن هذا الحق لا يلغي قيمة الجهد المبذول، ولا يمنع الاعتراف بالتقدم حين يتحقق. فالإنصاف يقتضي تقدير المبادرات الجادة ومتابعتها، مع إبقاء المطالبة بتحسين الأداء قائمة.
ثم إنَّ تشتت التجمعات السكانية يظلُّ أحد العوائق التي تزيد مهام الدولة صعوبة. فحين تنشأ تجمعات جديدة بفعل خلافات محلية أو تنافس اجتماعي وسياسي، تتوزع الموارد على احتياجات متجددة، وترتفع تكلفة إيصال الخدمة إلى كل أسرة.
وزيارة الرئيس للمنطقة، بما تضمنته من استماع وتعهدات وتوجيهات، تستحق أن تُقرأ في هذا الإطار؛ سعياً إلى معالجة اختلالات متراكمة، وتقريب الخدمات من السكان، وتوسيع فرص استفادتهم من موارد بلادهم، وتعزيز قدرة موريتانيا على الصمود.
موريتانيا التي لا تمتلك الكثير من الموارد المعدنية النادرة، وقدرتها على خلق الثروة لا تزالُ محدودة، رغم الآفاق الواعدة والمستقبل المشرق، فإنها تمتلك ثروة أخرى، هي قدرتها على الصمود والبقاء... وهي قدرة تعود في جوهرها إلى قيم الإنسان الموريتاني
عبد الله ولد محمدي
.gif)





.gif)