
"ثم بعد أن أسقطت قلم الحبر وشرعت بكتابة لختم اعترافي، أُنهي حياة هنري جيكل الحزينة». تلكم هي نهاية رواية "الدكتور جيكل والمستر هايد" للكاتب الإنجليزي روبرت ستيفنسن. يقلب محفوظ الأدوار في مذكراته؛ فأبو حفص الموريتاني هو الذي يتقمص شخصية الدكتور عبد الله المراوغة حين تعامله مع الإيرانيين. فأبو حفص الموريتاني الذي ترك سهول شمامه وسباخ انواكشوط حيث كان يطلب العلم، إلى جبال الهندوكوش طلبا "للشهادة"، سيجد نفسه واقعا في قبضة الدكتور عبد الله (المعادل الوظيفي للمستر هايد) في سجون إيران. من الصفحة 97 من الجزء الثالث حتى نهاية المذكرات يجد القارئ نفسه أمام شخصية الدكتور عبد الله المراوغة. تلكم الشخصية التي تنهض بأدوار مختلفة؛ من مفاوض "ذهب معي الأخ سالم كمرافق وذهب معي أحد الإخوة الآخرين كمشارك في التشاور الذي
سيجري مع المسؤول الإيراني."ج3/111 إلى "إمارة في السجن" ج3/118، إلى متهم "كانت التهمة الموجهة إلي هي دخول الأراضي الإيرانية بطريقة غير قانونية واستخدام جواز سفر غير قانوني."ج3/130. يرفض الدكتور عبد الله التهم الموجهة إليه: "أراد القاضي ومن حوله أن يستدرجوني للاعتراف بتلك التهم بلطف، ولكني رفضت، بل قلبت التهم عليهم،
فقلت للقاضي – وأنا محق – إن دخولي إلى إيران جاء بناء على طلب من السلطات الإيرانية، وهي من أدخلني عبر الحدود الإيرانية الباكستانية."ج3/130 .
يدخل الدكتور عبد الله جملة اعتراضية في مرافعته: "وأنا محق". تعرف الجملة الاعتراضية بأنها "التي تأتي بين شيئين متلازمين لإفادة الكلام تقوية وتسديدا وتحسينا..." شعر الدكتور عبد الله بأن دفاعه يحتاج تقوية وتسديدا وتحسينا. فتأكيده على أنه "محق" في قوله يورث قوله ضعفا، بدل أن يكسبه قوة. ولقد كان محقا في شعوره بضعف دفاعه؛ فهو لا يمل من تكرار "إن دخولي إلى إيران جاء بناء على طلب من السلطات الإيرانية،..."ج3/130 دون أن يقدم أدنى دليل على ذلك!!! لتعزيز هذه الرواية يضيف "وهي من أدخلني عبر الحدود الإيرانية الباكستانية."ج3/130. وهذه الرواية
الجديدة غير دقيقة؛ فقد فصل، في الصفحات 7-8-9 من ج3 طريقة دخوله إلى إيران عبر الحدود الباكستانية مستخدما أفعالا لا تدل على أنه أدخل إلى إيران بطريقة رسمية: "تسللنا إلى أن وصلنا إلى نقطة قريبة من السياج الحدودي بين البلدين..."ج3/09؛ فمن تدخله الدولة عبر حدودها لا يتسلل، ولا يختار "نقطة المليشيا، لأن التعامل معها سيكون أهون من التعامل مع نقاط الأمن الحكومية."ج3/09، ولا يهيئ مبلغا من المال "للرشوة عند الضرورة،..."ج3/09.
يؤول الدكتور لغة جسد القاضي بما يعزز حجته، وإن كان تأويله ربما بدى مخالفا لقواعد التأويل المتعارف عليها في لغة الجسد. "تبسم الرجل، وهو يعرف صدقي فيما أخبرته به، ولكنه مصر على أن ينفذ المهمة التي طلبت منه، وهي إدانتي بتلك التهم، للاحتفاظ بي في إيران إلى حين."ج3/131 قد يعني تبسم القاضي خلاف ما ذهب إليه الدكتور تماما. ويعطي الدكتور نفسه مؤشرا على تهافت تأويله، حين يردف "وهو يعرف صدقي فيما أخبرته به،" فهذه الإضافة توجه الابتسامة وجهة إيجابية لصالح المتهم رغم أن معطيات القضية توحي بعكس ذلك؛ فلم يقدم المتهم أي دليل على صدق دعاويه، ومن ثم فإن ابتسامة القاضي تؤول بعكس ما ذهب إليه المتهم.
فالاحتمال الأول لتفسير ابتسامة القاضي هو أنها "ابتسامة الاستخفاف أو الضعف القانوني"، التفسير الثاني هو أنها "ابتسامة المفارقة أو التناقض"، والتفسير الثالث هو أنها "ابتسامة الارتياح واكتمال الصورة". تستبعد الوقائع التأويل الثالث، لترجح الأول. فابتسامة الاستخفاف، أو الضعف القانوني "غالبا ما تظهر عندما تكون الدفوع المقدمة... ضعيفة أو تفتقر إلى السند القانوني المعتبر." وهذا ما ينطبق على دفوع الدكتور عبد الله.
يخبرنا الدكتور عبد الله أنه "لم يصدر في تلك الجلسة حكم قضائي محدد، لكنه سوف يصدر بعد ذلك."ج3/131. يبدو أن الدكتور نسي أمر المحاكمة، أو تحدث عنه في الصفحتين الضائعتين (137-138). وهذا دليل آخر على أنه لم يطلع على نسخة تجريبية من مذكراته؛ فقد كررت الصفحتان (135-136) بدل الصفحتين الضائعتين...
لكننا نكتشف في الصفحة 228 من ج3 أن الدكتور قد صدر عليه حكم يوحي بسوء تأويله لابتسامة القاضي: "أنا أعتبر نفسي سجينا غير قانوني قضى ضعف المدة التي حكم عليه بها ظلما." لا يذكر الدكتور تلك المدة، لكنه يؤكد مضاعفتها ليدين الإيرانيين...
من ذلك يتضح أن الدكتور عبد الله ليس "محقا" في دعواه أن الحكومة الإيرانية هي التي أدخلته، وإنما دخل متسللا، مسرعا، مغافلا بوابة المليشيات. يضيف الدكتور عبد الله حجة أخرى في مواجهة تهمة استعمال جواز مزور (يسميه غير قانوني)، "أما جواز سفري فقد حصلت عليه بمساعدة تلك السلطات، فإذا كانت هناك مخالفة قانونية فالسلطات الإيرانية من ارتكبها، وعليه فهي التي يجب أن تحاكم!! ")ج3/130. يقال إن الكذب يحتاج إلى ذاكرة قوية. يقول الدكتور عبد الله: "وعلى كل من يريد العبور إلى إيران، إبراز جواز سفره، وتأشيرة الخروج من باكستان. ولأني لا أملك جواز سفر صالح أصلا فقد اخترت العبور من نقطة المليشيا،..."ج3/09. فقوله إنه لا يملك "جواز سفر صالح أصلا" يعني أنه يملك جواز سفر غير صالح. فلو لم يكن يحمل جواز سفر غير صالح لاكتفى بقول: "ولأني لم أكن أحمل جواز سفر أصلا". وهذا ما سيقوله لاحقا، بعد دخوله إلى إيران "ولم يكن معي جواز سفر، ولا بطاقة شخصية، ولا أية أوراق ثبوتية."ج3/14 . فهل تخلص من جوازه المزور؟ سيخبرنا الدكتور، في سرده، باستخدامه وثائق مزورة: "بعد خروجي من المقهى مباشرة تقدم إلي رجل مهذب بلباس مدني، وطلب مني برفق بطاقتي الشخصية. كانت معي بطاقة هوية (مستعارة) {مزورة} أخرجتها له."ج3/43. يتحاشى الدكتور استخدام صفة "مزورة" عند حديثه عن وثائقه، فيصف جوازه بغير صالح أصلا، وبطاقة هويته بالمستعارة. يشبه سلوك الدكتور عبد الله هذا سلوك الذين يعاقرون المشروبات الروحية، ويمارسون علاقات خارج الزواج، ويأكلون الفوائد البنكية، وبذلك يخادعون الله وهو خادعهم...
وسيخبرنا الدكتور، أثناء تجهيزه للسفر بالاتفاق مع الإيرانيين، للمرة الثانية، بما يفيد امتلاكه، وأسرته جوازات، غير "صالحة"، "وكانت هناك تواريخ صلاحية بعض الجوازات منتهية، فلا بد من تمديدها، وهناك أختام وتآشر ينبغي إزالتها من الجوازات حتى لا يتعرض أصحابها للاعتقال."ج3/96. وهذا يناقض، بشكل صارخ، ما صرح به أمام المحكمة حين اتهم باستخدام جواز سفر مزور، "أما جواز سفري فقد حصلت عليه بمساعدة تلك السلطات..."ج3/130. فلم تكن الاستخبارات الإيرانية هي مصدر الجوازات، وإلا لما احتاجت إلى تمديد صلاحيتها، وإزالة أختام وتآشر منها!!!
ستتغير أحوال الدكتور بشكل جذري؛ فمن متهم بدخول الأراضي الإيرانية بطريقة غير شرعية، وحمل أوراق ثبوتية مزورة، إلى "عرض إيراني سخي" ينتقل بمقتضاه من السجن إلى "السكن في فلا مستقلة في طهران مع أفراد أسرتك، وتعيش حياة سعيدة..." لكن الدكتور رفض، بلباقة، هذا العرض السخي، فقد أدرك ما تريده الإدارة منه، "فهي تريد استدراجي للتعاون معها في أمور قد تكون في البداية مقبولة، كإعطاء بعض الاستشارات في بعض القضايا السياسية والفكرية،..."ج3/157. يذكرنا ذلك بدعاوى تقديمه استشارات للحكومة السودانية!!! وإذا كنا قد أظهرنا، إحصائيا، استحالة ذلك، فهو في الحالة الإيرانية لا يحتاج إلى دحض. فليس للدكتور ما يؤهله "لإعطاء بعض الاستشارات في بعض القضايا السياسية والفكرية" للحكومة الإيرانية التي لجأ إليها فرارا من القصف الأمريكي. فكل ما يحمله "الدكتور" من زاد ثقافي وفكري شهادة الليسانس في تاريخ الحركة الإسلامية في موريتانيا، وشهادة الماجستير من جامعة سودانية موضوعها قصة موسى عليه السلام، وتجربة في تنظيم القاعدة تبرأ منها، وتقرب من قيادة طالبان أجهضه القصف الأمريكي الذي أخرج الدكتور من أفغانستان قبل سقوط حكومة طالبان.
رغم رفضه المهذب للنهوض بعبء "المستشار للدولة الإيرانية" إلا أن الإيرانيين لم ييأسوا من الاستفادة من قدراته الفكرية؛ "في هذه المدة كان الإيرانيون يطلبون مني التعليق المكتوب على بيانات الشيخ {أسامة} والدكتور أيمن الظواهري التي كانت تصدر في هذه المدة."ج3/198. سيقبل "الدكتور" هذه المرة "التعاون" مع الإيرانيين "كان التعليق على بيانات الشيخ والدكتور فرصة لأبدي وجهة نظري في الوضع في العراق."ج3/198.(يتبع، إن شاء الله).
.gif)





.gif)