
استطاع ولد الوالد، حسب روايته، التخلص من مراقبة الأمن السوداني والخروج من البلاد بعد فشل محاولة اغتياله أو اختطافه. لا يذكر ولد الوالد الوجهة التي خرج إليها، لكنه يضع أول عنوان فرعي في الصفحة الثالثة من الجزء الثاني من مذكراته: العودة إلى أفغانستان. ثم يقول في نفس الصفحة: "سبقني الشيخ ومن معه،..."
خصص ولد الوالد الجزء الثاني من مذكراته لإظهار مدى اتساع الهوة بينه وبين القاعدة؛ تلك الهوة التي حفرها في السودان عبر محاولاته الحثيثة لصرف أسامة عن مشروعه الجهادي إلى مشروع دعوي ينتهي بالقاعدة إلى ما انتهت إليه جماعة الإخوان المسلمين؛ نخبة سياسية لا يتجاوز طموحها المشاركة في السلطة ولو على حساب شعاراتها الدينية التي بنت عليها شعبيتها لدى بسطاء المسلمين. وقد حقق ولد الوالد، في روايته، نجاحا باهرا في هذا الاتجاه فحول اهتمام بن لادن من السلاح والقتال إلى الاستثمار والإعلام. لكن إبعاد بن لادن إلى أفغانستان أفشل مشروع ولد الوالد فعاد بن لادن إلى سلاحه وحروبه التي قرر توسيع دائرتها لتشمل اليهود والصليبيين في العالم. لذلك قرر ولد الوالد التخلي عن مشروع "أخونة القاعدة" والبحث لنفسه عن مخرج.
يقول ولد الوالد إن بن لادن استدعاه من السودان للتشاور حول بيان "إعلان الجهاد على الأمريكان"، وطلب منه تولي تحريره، "ولكني لم أحضر، لأسباب ليس هذا محل شرحها." ج2، ص:22-23. في الصفحة 20 يضع ولد الوالد عنوانا فرعيا "تعليق على بيان إعلان الجهاد على الأمريكان". يؤكد ولد الوالد "لقد اعترضت يومها على فكرة ذلك الإعلان للجهاد،.." ج2/26. يعدد أسباب اعتراضه في خمس نقاط.
لم يحدد ولد الوالد وجهته حين خرج من السودان خائفا يُترصد، ولم تنقطع رسائل بن لادن إليه يحثه على الالتحاق به في أفغانستان، "وذات يوم فكرت لماذا لا أزور أفغانستان؟" 33. هكذا بكل بساطة! لم تكن رسائل صديقه، وأميره محفزة له للالتحاق به، وإنما، فكر ذات يوم لماذا لا يزور أفغانستان؟ لكنه ما يلبث يحشد الحجج لهذه الفكرة التي انقدحت في ذهنه بلا مقدمات. من الحجج التي ساقها نيته "الابتعاد عن العمل التنظيمي في الجماعة والتفرغ للعمل الأكاديمي بعد إذن التنظيم... إذن هناك أكثر من سبب لزيارة أفغانستان التي قررت التوجه إليها في شهر ذي القعدة 1477ه، مارس 1997م."ج2/33.
هناك تناقض صارخ بين التواريخ يحتاج تدقيقا. فتحت عنوان "تحقيق ودي" يقول ولد الوالد "في أواخر عام 1998م، أخبرني ضابط الاتصال السوداني برغبته في الحصول على بعض المعلومات المتعلقة بي شخصيا." ج1/368. ويصرح أن الغرض من ذلك "تبييضه" لدى الأجهزة الأمنية الغربية بإثبات عدم اشتراكه في أي عمل "إرهابي". ثم يقول في ج1/ 370، إن كلينتون أصدر أمرا مباشرا "نهاية 1998م" بقتل أو اختطاف أبي حفص الموريتاني". وهو الأمر الذي فشلوا في تنفيذه. وقد أسهب ولد الوالد في تبيان ذلك الفشل، ودوره المحوري فيه، وكيف تخلص من مراقبة الأمن السوداني وخرج من السودان إلى جهة لم يحددها. كما يضطرب تاريخ مناقشته شهادة الماجستير؛ "وفي عام 1499ه/1998م تمت مناقشة البحث ومنح صاحبه شهادة الماجستير في تفسير القرآن." ج1/368. ثم يقول: "بعد مناقشتي لرسالة الماجستير في جامعة القرآن الكرم بأم درمان في 1420ه/1999م." ج1/370.
ثم نكتشف، في الجزء الثاني من المذكرات أنه قرر التوجه إلى أفغانستان في شهر ذي القعدة 1447ه/مارس 1997م." ج2/33. ثم يؤكد هذا التاريخ مرة أخرى محددا المكان الذي سافر منه إلى أفغانستان. "في شهر ذي القعدة1417ه/مارس 1997 توجهت من الخرطوم إلى باكستان..." ج2/35. إذا كان ولد الوالد خرج من السودان في هذا التاريخ ليلتحق بأسامة الذي أخرج من السودان ليلة الأول من محرم 1447ه/19 مايو 1996م، فكيف حقق معه الأمن السوداني تحقيقا وديا أواخر 1998م، وكيف أمر كلينتون بتصفيته أو اختطافه من الخرطوم نهاية 1998؟
لقد خرج من السودان، حسب روايته، بطريقة أغضبت الأمن السوداني، "بعد سفري بثلاثة أيام جاء ضابط الاتصال على موعد سفري المتفق معه عليه لنذهب معا إلى المطار، فلم يجدني،... غضب غضبا شديدا،..."ج1/376-377، ولم يذكر أنه رجع إلى السودان بعد خروجه منه في مارس 1997م، إذ لم يكن ذلك ممكنا؛ فقد تقرر ترحيله كما رحل أعضاء القاعدة من قبل. وكان رفض السفر إلى أفغانستان لتحرير بيان "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب" الذي صدر في ربيع الثاني 1477ه/ آب أغسطس 1996م، بعد ثلاثة أشهر من خروج بن لادن من السودان. ج2/23. لكنه يقول: " وبما أن زيارتي للبلاد على وشك الانتهاء، فقد كنت شديد الرغبة في زيارة أمير المؤمنين ومقابلته قبل العودة إلى السودان." ج2/70. فكيف سيعود إلى السودان وقد تسلل منه بجواز سفر مزور، وأغضب ضابط الأمن المكلف به، بخلفه موعده؟
بدل العودة إلى السودان يحدثنا ولد الوالد عن عودته إلى موريتانيا، دون أن يقول من أين عاد إليها. "في شهر صفر من عام1418ه/يونيو1997م عدت إلى موريتانيا." ج2/81. يمكن أن نستنتج أنه عاد إلى موريتانيا من أفغانستان، بدل أن يذهب إلى السودان، حين يقول: "مكثت شهرين في أفغانستان هذه المرة،..."ج2/78. فإذا كان سفره إلى أفغانستان من السودان كان في مارس 1997، ومكث في أفغانستان شهرين ليعود إلى موريتانيا في يونيو 1997م، فإن العودة إلى موريتانيا تمت من أفغانستان مباشرة. سيمكث ولد الوالد في موريتانيا من شهر يونيو حتى شهر ديسمبر، "في شهر شعبان 1418ه/ديسمبر 1997م كنت قد أنهيت مهامي في موريتانيا وقررت التوجه مع الأسرة إلى أفغانستان."ج2/82، تنفيذا لرغبة الشيخ أسامه.
يؤكد ولد الوالد أنه كان في أفغانستان في شهر ربيع الثاني 1419ه/أغسطس 1998م، حين هاجمت أمريكا أفغانستان والسودان بالصواريخ. فقد عرض الشيخ أسامة بناء مجمع6 لإقامة أفراد القاعدة مع زوجاتهم. "طرح الشيخ فكرة بناء القرية الجديدة التي عرفت بمجمع6 على بعض أعضاء مجلس الشورى كنت من بينهم،..."ج2/117. كانت الضربات في العشرين من أغسطس 1998م، فكيف جرت محاولة اغتياله في نهاية 1998 في الخرطوم ولم يذكر أنه عاد إليها من أفغانستان؟
سيبدأ ولد الوالد رحلة تغيير ولائه من القاعدة لطالبان برفضه الانتقال إلى المجمع الجديد. "بقيت في مدينة قندهار قرب مقر والي المدينة، ومقر أمير المؤمنين الملا عمر الذي كانت المسافة بين بيتي وبيته أقل من 200 متر." ج2/118. يبرر ولد الوالد ذلك، " ومن أسباب ذلك أنني في تلك المدة كنت أسافر خارج أفغانستان كثيرا لمتابعة دراستي بالسودان."ج2/119. ولم يذكر مرة واحدة أنه سافر إلى السودان، وإنما انشغل بتوطيد علاقاته الجديدة مع طالبان. "لقد أسست تلك المدة من عام 1419ه/1998م وما بعدها لعلاقات ربطتني بقيادة حركة طالبان..."ج2/119.
بدأ ولد الوالد يحضر لاستقالته من القاعدة، ولارتباطه المباشر بحركة طالبان. "... وفتحت قناة جديدة للاتصال بقيادة الحركة غير القناة التقليدية السابقة، والتي لم نغلقها نهائيا، ولكن تراجع دورها."ج2\119. هذه القناة التقليدية، التي لم تغلق بشكل نهائي، هي قناة القاعدة. ما يعني أن ولد الوالد كان يمهد لخروجه من القاعدة على مهل.
أسس ولد الوالد عمله الخاص "معهد قندهار للدراسات العربية والإسلامية"، الذي افتتحه في عام 1420ه\1999م. كان المعهد تابعا إداريا لتنظيم القاعدة، وقد حقق نجاحا كبيرا كما يقول صاحبه. ويستمر اتساع الهوة بين بن لادن وولد الوالد؛ فقد دعى بن لادن مجلس شورى القاعدة ليعرض عليهم مشروع ضربات كبيرة ضد أمريكا، دون أن يدخل في التفاصيل. سيتزعم ولد الوالد المعارضة لهذا المشروع، مقدما حججا أبرزها أن الملا عمر يعارض العمل العسكري الذي قد يضر بأفغانستان. وقد أقنعت حجج ولد الوالد معظم أعضاء مجلس شورى القاعدة. "كان موقفي المعارض لسياسة الشيخ صريحا وجريئا، فتسبب في فتور في العلاقة بيننا،..."ج2\131.
يؤرخ ولد الوالد "لآخر اجتماع أحضره لمجلس شورى القاعدة"؛ "بحلول ربيع الأول 1422ه\يونيو2001م كان كل المجاهدين في أفغانستان يدركون أن الشيخ أسامة يحضر لعمليات كبيرة ضد أمريكا."ج2\183. يقوم ولد الوالد بحملة في مجلس شورى القاعدة لحشد معارضة العمليات التي ينوي التنظيم القيام بها ضد أمريكا. وحين تأكد من حصوله على الأغلبية، فاتح الشيخ، " ذهبت إلى الشيخ أسامة وقلت له إن أكثرية أعضاء مجلس الشورى غير راضين عن سياسته، واستمراره في الاعداد للعمليات العسكرية؟"ج2\184. عقد اجتماع طارئ لمجلس شورى القاعدة وجد فيه الشيخ أسامة نفسه معزولا، حسب رواية ولد الوالد. فقد عارض جل أعضاء المجلس العمليات التي يخطط لها. وكان ولد الوالد رأس حربة هذه المعارضة، وكان في كلامه حدة اتجاه أميره وصديقه؛ "أنت تسير في أمر مخالف للشرع، والعقل، والمنطق. وأضفت: إذا كنت لا تثق في كل هؤلاء، فلنطرح الأمر على أهل العلم والرأي من أبناء هذه الأمة خارج أفغانستان."ج2د186.
بعد هذا الاجتماع العاصف، أخذ ولد الوالد ينشر رأيه المعارض لأي عمل ينطلق من أفغانستان دون موافقة طالبان، وعد وجهة نظره هذه فتوى شرعية يروجها. "وكان هذا كافيا لإزعاج الشيخ، وإثارة حفيظته على غير عادته،..."ج2\186. وهذه هي الفتوى الوحيدة التي صدرت ممن يسميه الاخوان مفتي القاعدة، وهي فتوى ضد توجه المنظمة التي ينتمي إليها، ولم يطلبها منه أحد!
سيستقيل ولد الوالد من تنظيم القاعدة "في شهر جمادى الثانية 1422ه\يوليو 2001م، شهرين قبل هجمات الحادي عشر من سبتمبر. رغم أن التحضير لهذه الهجمات كان ذريعته للخروج من التنظيم، ورغم أن العمليات تمت بعد استقالته، ورغم أنه تحدث في مذكراته عن الهجمات تحت عنوان: "الثلاثاء الأسود وبعض تداعياته"، كتب ولد الوالد قصيدة يشيد فيها بعمليات الحادي عشر من سبتمبر، أسقطها من مذكراته!
مطلعها: ففتككم في الكفر لم ير مثله *** وما فاق حتى الآن من هوله الكفر
سأنشر القصيدة كاملة، إن شاء الله، في المستدرك على المذكرات...
.gif)





.gif)