
في 3 يناير، نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" تقريرا مفصلاً عن العملية، أعده 3 من أبرز الصحفيين المختصين بقضايا الأمن الدولي: جوليان إي بارنز، وتايلر بيجر، وإريك شميت. كشف التقرير عن الإطار الزمني للتخطيط، والمسار التصاعدي للتحركات العسكرية في البحر الكاريبي التي بدأت في النصف الثاني من عام 2025 تمهيدًا لعملية "الحسم المطلق".
يشير التقرير إلى أن المهمة التي لم يتجاوز زمن تنفيذها ساعتين ونصف، استغرقت شهورًا من الإعداد الاستخباراتي الدقيق. ويؤكد رئيس هيئة الأركان المشتركة "دان كين" مشاركة القوات المسلحة، ووكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه)، وأجهزة إنفاذ القانون في التحضير للمهمة. وقد أشرف على هذا المخطط المعقد نخبة من القادة، على رأسهم وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الدفاع بيت هيغسيث، ومدير السي آي إيه جون راتكليف، ومستشار الأمن الداخلي ستيفن ميلر.
بدأت القصة في أغسطس الماضي، بالتزامن مع نشر واشنطن 8 سفن حربية في الكاريبي، إذ تسلل فريق سري من عملاء الاستخبارات إلى الأراضي الفنزويلية بمهمة وحيدة: جمع المعلومات حول مادورو، ورسم خريطة دقيقة لعاداته اليومية وتحركاته.
في المقابل، تشير الصحيفة إلى أن مادورو عاش الشهور التي سبقت اختطافه في قلق وترقب، خاصة بعد فرض الحصار البحري في سبتمبر ونقل قرابة 14 ألف جندي أمريكي إلى المنطقة، مدعومين بمسيرات، ومروحيات، ومقاتلات شبحية "إف-35″، وحاملة الطائرات "يو إس إس جيرالد فورد".
وقتها، شهدت المنطقة استعراضًا للقوة إذ صادرت واشنطن ناقلات النفط الفنزويلية، وشنت غارات جوية راح ضحيتها عشرات الفنزويليين. ورغم مزاعم إدارة ترمب باستهداف عصابات المخدرات، كان للضربات هدف استراتيجي آخر بحسب مجلة "تايم" (Time): إضعاف قدرة فنزويلا على الرصد والمقاومة. مثلت تلك الفترة توقيتًا مثاليًا لاستباحة سماء كاراكاس بالمسيرات الاستطلاعية لرصد الدفاعات الجوية.
من جهته، شدد مادورو إجراءاته الأمنية؛ اختفت خطاباته المباشرة، وتنقل بين ستة إلى ثمانية أماكن للمبيت، وامتنع عن استخدام الهواتف، معتمدًا في تأمينه على القوات الكوبية، بحسب صحيفة "الغارديان" (The Guardian). لكن تدابير مادورو لم تكن كافية؛ فبحلول ديسمبر، كان عملاء السي آي إيه (CIA) يعرفون أدق تفاصيل حياته من أين ينام، وماذا يأكل، وماذا يرتدي، مما يؤكد وجود اختراق أمني كبير ومصدر بشري مقرب جدًا من الزعيم الفنزويلي.
على الرغم من كل هذه التجهيزات، تظل قدرة القوات الأمريكية على اختراق المجمع الرئاسي لمادورو في غضون دقائق معدودة -وكأنهم يحفظون حجراته وممراته عن ظهر قلب- مثيرة للتعجب. فقد كان قصر الرئاسة يقع داخل ثكنة عسكرية في كاراكاس، وهو واحد من بين ثمانية مواقع أخرى تحظى بالحماية ذاتها، ووصفه الرئيس ترمب في المؤتمر الصحفي بـ "الحصن"، قائلا إن له أبوابا فولاذية وبداخله غرفة محصنة بالفولاذ الصلب من جميع الجهات.
وتكشف المعلومات التي صرح بها الرئيس الأمريكي ونقلتها مجلة "تايم" الأمريكية، أن أفراد القوات الخاصة الأميركية (دلتا فورس) التي تعرف باسم "قوات دلتا"، قد أجروا تدريباتهم على نسخة طبق الأصل من حصن مادورو الآمن، وكان التدريب العملي عبارة عن محاكاة واقعية لكيفية الاقتحام، ما سمح لهم باختراق الأبواب الفولاذية أثناء المهمة الحقيقية في غضون ثوان.
في تمام الساعة 10:46 مساءً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، ليلة الجمعة 2 يناير، أعطى ترمب الإشارة الخضراء لبدء العملية عبر الهاتف، وفق ما نقلته نيويورك تايمز في تحقيقها.
واجه الجيش الأمريكي معضلة تحديد موقع مادورو الذي يتنقل باستمرار، إذ لم يكن التنفيذ ممكنًا إلا بتواجده في مجمع "تيونا". مع بدء العملية، أُغلقت الأجواء الفنزويلية، وأقلعت أكثر من 150 طائرة أمريكية (قاذفات بي-1، ومقاتلات إف-35 وإف-18، ومروحيات شينوك) بمشاركة 200 فرد من قوات "دلتا" انطلقوا من 20 قاعدة مختلفة.
ووفق نيويورك تايمز، استخدمت العملية التشويش الراداري وقطعت الكهرباء عن كاراكاس لإعماء الدفاعات. ثم شنت الطائرات الأمريكية مجموعة من الضربات المركزة والمكثفة، استهدفت أولا البنية التحتية العسكرية، ما شل أنظمة الدفاع الجوي الفنزويلية، وسمح للقوات الأمريكية بالتقدم بسرعة دون مقاومة تذكر.
تلا ذلك استهداف مواقع عسكرية بالغة الحساسية، منها مجمع "ميرافلوريس" الذي يضم القصر الرئاسي والمجلس التشريعي، ومجمع "تيونا" العسكري الذي يضم مقار كبار قادة الجيش والقوات الجوية والحرس الجمهوري. كما شملت الاستهدافات الميناء الرئيسي في فنزويلا، الواقع على بعد 30 كيلومترا شمال العاصمة، والمطار الواقع في مدينة هيغيروتي الساحلية. حينها، تقدمت المروحيات على ارتفاع منخفض جدًا (100 قدم) فوق الماء لتجنب الرصد.
في الساعة 1:01 صباح السبت، وصلت المروحيات، فجرت الأبواب، واقتحمت المبنى. استغرقت العملية أقل من 30 دقيقة للقبض على مادورو وزوجته "سيليا فلوريس"، ونقلهما إلى السفينة ثم إلى غوانتانامو، ومنها إلى الولايات المتحدة. أعلن ترمب النصر وخلو العملية من الخسائر الأمريكية، رغم وقوع إصابات طفيفة وتضرر مروحية. في المقابل، تحدثت مصادر فنزويلية عن 80 قتيلا، وأكدت كوبا مقتل 32 من جنودها المكلفين بالحماية.
وفي المؤتمر الصحفي أعلن ترمب أن الولايات المتحدة ستتولى إدارة فنزويلا إلى أجل غير مسمى، أو كما صاغها ترمب، إلى حين التمكن من إجراء انتقال آمن للسلطة بما يخدم مصالح الولايات المتحدة.
.gif)





.gif)