إعلان

تابعنا على فيسبوك

المقاربة الأمنية للجيش الموريتاني في ظل توسّع التنقيب الأهلي عن الذهب على الحدود الشمالية

أحد, 25/01/2026 - 21:55

أفرز التوسع المتسارع في نشاط التنقيب الأهلي عن الذهب في المناطق الشمالية من موريتانيا، المحاذية للحدود مع الجزائر وإقليم الصحراء الغربية، واقعاً أمنياً جديداً فرض على الجيش الوطني الموريتاني إعادة تكييف مقاربته الأمنية بما يتلاءم مع التحولات الجغرافية والبشرية التي شهدتها هذه الفضاءات الصحراوية الحساسة. فلم يعد الشريط الحدودي مجرد مجال دفاعي تقليدي، بل أصبح فضاءً اقتصادياً مفتوحاً تتقاطع فيه تحركات مدنية واسعة مع اعتبارات سيادية وأمنية دقيقة.

وقد تميّز هذا النشاط بكثافة غير مسبوقة في تحركات المنقبين داخل مناطق نائية تعاني من ضعف الحضور الإداري، ما زاد من تعقيد مهمة ضبط الحدود ومنع التداخل مع مجالات نفوذ إقليمية متوترة، خاصة في ظل استمرار النزاع في الصحراء الغربية وحساسية الحدود مع الجزائر. وأمام هذا الوضع، تعامل الجيش الموريتاني مع التنقيب الأهلي بوصفه متغيراً أمنياً قائماً بذاته، وليس مجرد نشاط اقتصادي موسمي، لما يحمله من احتمالات التسلل، والتهريب، والاحتكاك غير المقصود مع أطراف خارجية.
وانطلقت المقاربة الأمنية المعتمدة من مبدأ تنظيم المجال بدل التضييق الشامل، حيث سعت المؤسسة العسكرية إلى تأطير نشاط المنقبين داخل نطاقات جغرافية محددة، ومنع الاقتراب من الشريط الحدودي الحساس، بما يضمن حماية السيادة الوطنية ويقلل في الوقت ذاته من المخاطر التي قد تهدد سلامة المدنيين. وقد رافق ذلك انتشار وقائي لوحدات عسكرية متنقلة، قادرة على التحرك السريع في الفضاء الصحراوي، ومزودة بوسائل مراقبة تسمح بالرصد المبكر لأي تحركات مشبوهة أو تجاوزات حدودية.
وفي هذا السياق، حرص الجيش الوطني على الفصل الواضح بين النشاط الأهلي المشروع وأي ممارسات غير قانونية، من خلال التعامل المرن مع المنقبين المواطنين، مقابل الحزم في مواجهة شبكات التهريب أو حمل السلاح أو استغلال الغطاء المدني لأغراض أمنية. وقد ساهم هذا التوازن في الحد من التوترات، وتعزيز الثقة بين المؤسسة العسكرية والسكان المحليين، وهو عنصر أساسي في استقرار المناطق الحدودية.
كما اكتسب التنسيق الأمني مع الجزائر أهمية متزايدة في ظل توسع النشاط الأهلي قرب الحدود، حيث شكّل تبادل المعلومات وضبط التحركات العابرة للحدود عاملاً وقائياً لتفادي أي احتكاك غير محسوب. وبالموازاة مع ذلك، واصل الجيش الموريتاني التزامه بسياسة الحياد تجاه نزاع الصحراء الغربية، من خلال منع استخدام الأراضي الموريتانية كمنطقة عبور أو دعم لأي طرف، وتأمين محيط المعابر الحيوية، خاصة في المناطق القريبة من مسارات التجارة والتنقل.
وقد قامت هذه المقاربة على منطق استباقي يركز على إدارة المخاطر قبل تحولها إلى تهديدات فعلية، عبر المراقبة المستمرة، والتدخل السريع، ومنع تشكل بيئات هشّة أمنياً في محيط نشاط التنقيب. وسمح هذا النهج لموريتانيا بالحفاظ على مستوى معتبر من الاستقرار في شمال البلاد، رغم الضغوط المتزايدة على المجال الحدودي بفعل العوامل الاقتصادية والإقليمية.
في المحصلة، يعكس تعامل الجيش الوطني الموريتاني مع توسع التنقيب الأهلي عن الذهب على الحدود الشمالية قدرة المؤسسة العسكرية على التكيّف مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية، وتبنّي مقاربة أمنية متوازنة تجمع بين حماية السيادة، وتأمين المواطنين، وضبط الحدود، والحفاظ على الحياد الإقليمي، بما يعزز موقع موريتانيا كعامل استقرار في محيط إقليمي بالغ التعقيد.

أحمد محمد حماده