
دخل محفوظ الأراضي الإيرانية من بوابة مليشيا قبلية باكستانية فاستقبله الإيرانيون، حسب روايته، استقبالا رسميا فنقلوه بالطائرة إلى طهران حيث أقام وأسرته معززا مكرما في ضيافة جهة إيرانية حرص على عدم الإفصاح عنها... ثم تغيرت حاله مع مضيفيه بعد حملة اعتقالات شنتها وزارة الأمن "وبقرار وضغط من الإصلاحيين، ولم يكن برضى الجهة المضيفة لنا..."ج3/54. يمكننا أن نستنتج أن الجهة المضيفة لهم هي "المحافظون" الذين يمثلون، في تلك الفترة، المعارضة على الطريقة الإيرانية؛ فقد كان الرئيس، آنذاك، محمد خاتمي، إصلاحيا.
كان محفوظ، وفرّار القاعدة، ضحية للصراعات الحزبية الإيرانية. يروي محفوظ تفاصيل حياة السجن مع رفاقه، لكنه يروي، كعادته، ما يصعب تصديقه: "اغتنمت فرصة وجودي مع الإخوة في غرفة الاستقبال وغياب الحارس، فاتفقت معهم على ما ينبغي أن يقوله كل منا إذا سئل عن الآخرين، وأكدت عليهم أني لا أريد أن يعرف الإيرانيون شخصيتي الحقيقية."ج3/64. ألم يتعرف الإيرانيون على شخصيتك الحقيقية حين انتظروك على الحدود، وحين وقعت معهم، كما زعمت، اتفاق دخول "المجاهدين" إلى إيران؟ ألم يتعرفوا على شخصيتك الحقيقية حين عرضوا عليك استقبال أسرتك استقبالا خاصا؟ ألم يتعرفوا على شخصيتك الحقيقية بعد تسعة أشهر من الرحلات الترفيهية، والسماح لك بمخالفة القانون من أجل متعتك وأسرتك؟ يحدثنا محفوظ عن ورعه الشديد، بمناسبة دخوله السجن. "ولا أقدم إلا على ما أراه صوابا من الناحية الشرعية.. كلفني ذلك ما كلفني."ج3/66. فهل رأى "صوابا من الناحية الشرعية" نكثه بوعده للإيرانيين بمغادرة أراضيهم؟ والله يقول: "يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود" (المائدة 01). ورد في تفسير الطبري: "قوله: " أوفوا بالعقود "، أمرٌ منه بالوفاء بكل عقد أذن فيه." فكيف "رأى" تخلفه في الأراضي الإيرانية، واختفاءه عن أعين الأمن صوابا في الشريعة، وهو الذي اختار الخروج من إيران واتفق مع سلطاتها الشرعية على ذلك، ثم نكث بوعده وحاول الإقامة في إيران بطريقة غير شرعية!!!
يستمر محفوظ في سرد ما لا يمكن تصديقه، أثناء حياته في السجن. "كنت أقرأ غالبا في مصحفي الشخصي، وأحيانا في المصحف الإيراني الذي اكتشفت فيه كثيرا من الأخطاء، !! "ج3/77. يتبادر إلى الذهن سؤال: من أين جاء بمصحفه الشخصي، وقد صرح بأنه دخل إيران من بوابة المليشيات الباكستانية يعتمر قبعة بلوشية، ويلتحف بتو أفغانيا، إمعانا في التخفي، ويحمل جواز سفر مزور، ومبلغا من المال "للرشوة عند الضرورة". ولم يذكر، في سرده لرحلته من كابل، أنه اصطحب معه مصحفا. أما اكتشافه "كثيرا من الأخطاء" في المصحف الإيراني الذي استلمه في السجن، فهو كذب قصد منه تشويه صورة الجمهورية الإسلامية الإيرانية دعما لما يروجه عوام أهل السنة من أن الشيعة يحرفون القرآن. وهي إشاعة لم يقم عليها دليل أبدا؛ فالمصحف الذي في أيدي الشيعة هو المصحف الذي في أيدي السنة. أما أسطورة "مصحف فاطمة" فلم تثبت على مر التاريخ، إذ لم تظهر منه أي نسخة في أي عصر من العصور الإسلامية. "ليس هناك أي دليل على وجود مصحف لفاطمة الزهراء عليها السلام، إضافةً أو بدلاً من مصحف المسلمين أبداً.. فالله تعالى يقول في كتابه الكريم: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}؛ فمن خلال هذه الآية نجد أن هناك وعدا إلهياً بحفظ القرآن الكريم، ولم يقيده بزمان دون زمان."(ماهي حقيقة مصحف فاطمة عليها السلام، الشيخ حبيب الكاظمي، موقع الشيعة: إيران، قم، شارع الشهيد فاطمي (دورشهر)، زقاق17، رقم 2
982537745111+ [email protected] مركز آل البيت (عليهم السلام) العالمي للمعلومات – جميع الحقوق محفوظة © 2025-2004).
وإذا سلمنا، جدلا، بصحة ما قال محفوظ فإن الحجة تقوم عليه. فقد خرج من انواكشوط ليجاهد في سبيل الله، زعم. وقد عرّف النبي صلى الله عليه وسلم الجهاد بقوله: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله." صحيح البخاري. لم يقاتل محفوظ، حين كان في أفغانستان عضوا في القاعدة، ثم لصيقا بقيادة طالبان، ولم ينكر "تحريف القرآن" إلا في مذكراته تشويها لأمة من المسلمين، ولم يورد دليلا واحدا يدعم زعمه. "فالأخطاء الكثيرة التي اكتشفها" لم يذكر منها واحدا على سبيل المثال، بل إنه أقر المصحف الإيراني المحرف لما فيه من فوائد!!! "ومع ذلك فلم أترك القراءة فيه، لأني كنت أستفيد من ترجمة فارسية على هامش الصفحة في تعلم اللغة الفارسية التي قررت أن أتقنها."ج3/78. وهذا ملمح آخر من تربية الإخوان؛ فمحفوظ لم يصدع بالحق فيظهر للإيرانيين الأخطاء الكثيرة التي اكتشفها في مصحفهم، وإنما أراد الاستفادة من المصحف المحرف في تعلم اللغة الفارسية. وسيرة الإخوان، منذ التأسيس، تشهد على تقديمهم المصلحة على الشريعة؛ فقد حكموا تونس ومصر فلم يغيروا منكرا، بل أرادوا "شرعنة" المنكرات. فزعم مرسي رحمه الله، أن الحدود ليست من الشريعة، وإنما هي من الفقه، وتبجح الغنوشي بأن حكم النهضة فتح الحانة إلى جانب المسجد...
مشكلة محفوظ أنه ربما لم يراجع ما كتب قبل نشره. ففي النص كثير من التناقض الذي كان بالإمكان تلافيه لو تمت مراجعة النص قبل الدفع به إلى النشر. قال في الصفحة 64 من ج3 إنه اتفق، في غرفة استقبال السجن، مع رفاقه على ما ينبغي أن يقوله كل واحد منهم. ثم عاد في الصفحة 81/ج3 ليقول: "خشيت أن تكون الزنازين ملغمة بأجهزة التنصت، فلم أعرفه على نفسي بالكنية المعروفة، ولكن بطريقة أخرى." لماذا لم يخش أن تكون غرفة الاستقبال "ملغمة بأجهزة التنصت؟" وأن انصراف الحارس لم يكن سوى فخ وقعوا فيه سريعا؟ فإذا كان الإيرانيون يضعون أجهزة تنصت في غرفة سجن انفرادي، حيث لا يتحدث السجين غالبا، إلا إذا أصيب بلوثة عقلية، فكيف لا يضعون نفس الأجهزة في غرفة الاستقبال حيث يجتمع الناس ويتحدثون؟!
تعود إلى محفوظ هواجسه ومخاوفه من اكتشاف هويته "كنت متحفظا في التواصل مع الإخوة، لأني لا أريد أن يعرف الإيرانيون هويتي الحقيقية."ج3/82. وهذا تناقض آخر؛ فقد عرف الإيرانيون هويته عند دخوله. وإذا كان يعتقد أن "المحافظين" الذين استقبلوه أخفوا هويته عن "الإصلاحيين" الذين اعتقلوه فهذه سذاجة لا تليق ب"قيادي في تنظيم القاعدة" تعامل مع أجهزة المخابرات في السودان وفي إيران، وربما مع أجهزة أخرى... إمعانا في التخفي سينتحل محفوظ صفة ويختلق له اسما.. "بعد أن أخذنا مقاعدنا في السيارة، وأخذت القيود المعدنية مواقعها في أيدي بعض الإخوة، إذا بمناد ينادي: - أين الدكتور عبد الله؟ (وكان ذلك اسمي طيلة ملحة السجن). ج3/87. لعله أراد محنة السجن؛ فالملحة: النكتة، كلمة طريفة تروح عن النفس. فهل "رأى" انتحال الصفة، واختلاق الاسم "صوابا من الناحية الشرعية"؟
رغم كل ما اتخذه محفوظ من احتياطات لتظل هويته الحقيقية خفية على الدولة الإيرانية وأجهزتها، إلا أنه اكتشف أنهم عرفوه متهما رفاقه بأنهم "أخبروا" عنه بحسن نية. وأين يقع حسن النية هذا من اتفاقهم، في غرفة الاستقبال، على ما ينبغي أن يقوله كل واحد منهم! "وقد عرفت بعد ذلك أنهم كانوا قد تعرفوا على شخصيتي الحقيقية من خلال بعض الإخوة الذين أخبروهم بذلك عن حسن نية، وأن قرار عزلي عن الإخوة كان مقصودا."ج3/88.
يضع محفوظ عنوانا جانبيا: السفر الذي تأجل عشر سنوات!! بعد ثلاثة أشهر من اعتقاله اجتمع بمسؤول أمني كبير "وبحضور مسؤول الملف السيد ناصري... وسألني عن الوجهة التي أريد السفر إليها، فحددتها له..."ج3/94، لكنه يخفيها عن قراء مذكراته التي صدرت بعد ذلك الاجتماع بعقود! شرع "الدكتور عبد الله" في تحضير إجراءات السفر مع أجهزة الأمن الإيرانية بتزوير وثائق السفر.." وكانت هناك تواريخ صلاحية بعض الجوازات منتهية، فلا بد من تمديدها، وهنالك أختام وتآشر تثير الانتباه ينبغي إزالتها من الجوازات حتى لا يتعرض أصحابها للاعتقال."ج3/96. يبدو أن كل "التعديلات" الضروري إدخالها على وثائق السفر قد تمت بنجاح، وهو أمر متاح لأجهزة المخابرات. "اتفقت مع المسؤولين على كل التفاصيل، وعلى موعد السفر الذي تقرر أن يكون بعد أربعة أيام..."ج3/96.
ومثلما يحدث في أفلام المخرج آلفرد هيتشكوك؛ سيد التشويق والغموض، أو في روايات آغاتا اكريستي البوليسية، تأجل السفر، في اللحظة الأخيرة عشر سنوات، بعد أن كان على بعد أربعة أيام. "ولكن المفاجأة أنه مع حلول موعد السفر، أخبرت أنه استجدت أمور تأجل معها موعد السفر"ج3/97... (يتبع، إن شاء الله.)
.gif)





.gif)