
"عيد الفطر المبارك 16 ديسمبر كان هذا هو يوم دخولي لباكستان قادما من أفغانستان بعد رحلة طويلة وشاقة عبر طرق التهريب المخيفة."ج2/313 هكذا بدأ “الهروب الكبير” من أفغانستان بعد اشتداد القصف الأمريكي على مدنها وقراها. يبرر ولد الوالد عدم التحاقه بأسرته في باكستان، خلافا لما فعل آخرون. "توجه بعضنا إلى مدن باكستانية أخرى، كانت سبقتهم إليها أسرهم قبل شهر تقريبا." بمبرر غريب.."ولكني شخصيا لم تطب نفسي بالذهاب إلى الأسرة التي كانت في مدينة كراتشي وترك عشرات الشباب الذين انسحبوا معنا من أفغانستان دون رأس يساعدهم في تدبير أمور سفرهم إلى مكان آمن."ج3/5. ترك ولد الوالد زوجه وأطفاله الصغار يواجهون مصيرهم في مواجهة المهربين واللصوص، على طرق وعرة خطرة ليكون رأسا لشباب فروا معه!!! أليست الزوجة والأطفال أحوج إلى رأس من شباب جاؤوا إلى أفغانستان دون حاجة إلى رأس، ولن ينفعهم أي رأس في طريق فرارهم، خاصة إذا كان فارا مثلهم. لعل التفسير، الأقرب للواقع، هو أن ولد الوالد خاف أن يقبض عليه في باكستان فيباع للأمريكان كما بيع غيره، "... وكل من له صلة بأفغانستان يتخطفون في كل مكان ويباعون بأغلى الأثمان، في مدن وقرى باكستان."ج3/6، فآثر سلامته، وللأسرة رب لن يضيعها...
سنكتشف أن ولد الوالد، الذي ترك أسرته لمصيرها ليكون رأسا لشباب فروا معه، لم يهتم في رحلة الفرار إلى إيران إلا بسلامته الشخصية.. "أخذت ركنا قصيا في نهاية مقاعد الحافلة الخلفية ووضعت قبعة بلوشية مزركشة على رأسي، والتحفت بالرداء الأفغاني المعروف ب(البتو).
وذلك بناء على نصيحة السائق الذي طلب مني ذلك تمويها على رجال الأمن المتربصين بنا في الطريق."ج3/7. لقد بالغ صاحبكم في التمويه؛ فوضع الطاقية لبلوشية لوجود البلوش في كويتا التي انطلق منها إلى حدود إيران؛ والبلوش ينتشرون بين باكستان وإيران أما التحافه البتو فليظهر بمظهر الأفغاني، وانزوى في ركن علّ العيون تتخطاه، وهو الذي لا يريد أن يترك الشباب بدون رأس، زعم! سنكتشف أن الشباب الذين ترك أسرته ليكون رأسا لهم، لم يصل الحدود معه سوى شخص واحد، قد لا يكون منهم أصلا..
"كان برفقتي أحد الإخوة متوجها إلى إيران..."ج3/9 وسيتخلى عنه عند لحظة العبور "لم أدر كيف عبر مرافقي، على أننا التقينا جميعا على الطرف الإيراني من الحدود."ج3/10. هذا الذي لم تسمح له مروءته بترك الشباب الفارين دون رأس، وترك أسرته تواجه مصيرها، سيعبر الحدود متسللا بمفرده يغافل البوابات. كانت على الحدود بوابتان؛ رسمية تتبع حرس الحدود الباكستاني يتطلب العبور منها جواز سفر وختم خروج. البوابة الثانية تابعة لمليشيا قبلية. ولأن ولد الوالد يحمل جواز سفر مزور "ولأني لا أملك جواز سفر صالح أصلا، فقد اخترت العبور من نقطة المليشيا، لأن التعامل معها سيكون أهون من التعامل مع نقاط الأمن الحكومية."ج3/9.
هكذا تصرف "المجاهد" للنجاة بنفسه؛ حمل جوازا مزورا، وتجنب البوابات الرسمية. بل هو مستعد لأكثر من ذلك "هيأت مبلغا من المال في جيبي للرشوة عند الضرورة،..."ج3/9، وغافل البوابة؛ "ولما اقتربت فوجئت بأنهم لم ينتبهوا لي، وكان الفاصل بين النقطة الباكستانية والنقطة الإيرانية المقابلة حوالي 40 مترا. لما رأيت أنهم لم ينتبهوا لي، غافلتهم، فتجاوزتهم مسرعا باتجاه النقطة الإيرانية..."ج3/10. ربما كان الشباب الفارين في حاجة إلى رأس، لكن هذه لم تكن لتفيدهم في شيء... دخل ولد الوالد إيران فارا من القصف الأمريكي، ومن بوابة المليشيا الباكستانية، ومن الشباب الذين زعم أنه تخلى عن أسرته ليكون لهم رأسا، فكان ضيفا رسميا على جهة إيرانية لم يفصح عنها في مذكراته. نقله الإيرانيون بطائرة إلى طهران، وأمنوا له سكنا "مقر إقامتي هذا عبارة عن شقة نظيفة تحتل جزءً من الدور الثالث من عمارة مكونة من عدة أدوار."ج3/16. تعامل ولد الوالد مع الأمن الإيراني "وطلب مني تزويدهم يوميا بعدد من دخل إيران من الإخوة سواء كانوا من القاعدة أو من الجماعات الأخرى. وقد قمت بذلك بكل أمانة."ج3/21. كما طلب منه الإيرانيون "تزويدهم بأسماء من دخل من المسئولين الكبار في القاعدة". لكنه لم يكن ليفعل ذلك قبل استئذان أولئك المسؤولين الذين قد لا يرغبون في كشف هوياتهم للإيرانيين "واستئذانهم يتم عبر الهاتف، والهاتف مراقب من قبلهم. ولكني كنت أستخدم هاتفا آخر لمثل هذه المهام."ج3/21.
لم يفكر ولد الوالد كثيرا في هذه الرواية التي لا تصح بأي وجه؛ فقد دخل إيران مسرعا من بوابة المليشيات وليس معه سوى لحاف البتو وطاقية البلوش. فمن أين حصل على هاتف المهام الخاصة؟ وإذا كان الإيرانيون يراقبون الهواتف، وهم يراقبونها فعلا مثل كل الدول، فكيف استطاع "هاتف المهام الخاصة" الإفلات من تلك المراقبة؟ ربما كانت الحقيقة أبسط من ذلك. تعاون ولد الوالد مع الأجهزة الأمنية الإيرانية فزودهم بما لديه من معلومات، وليست قصة "هاتف المهام الخاصة" سوى محاولة غير ذكية لتبرير ذلك التعاون الذي لم يكن وليد اللحظة، (سأعود إلى تاريخ تعامله مع الإيرانيين). سيصادر الإيرانيون هواتف ولد الوالد، بعد أن طلبوا منه وقف تدفق رجال القاعدة على إيران من باكستان، فهل كان من بينها "هاتف المهام الخاصة"؟ "بعد ذلك بأيام طلبوا مني تسليمهم الهواتف التي معي، بحجة أن أرقامها تسربت إلى جهات أمنية خارجية، ووجودها معي فيه خطورة أمنية."ج3/33.
لم يذكر ولد الوالد تاريخ دخول أسرته إلى إيران وإنما اكتفى بالقول إنها دخلت إلى مدينة زاهدان "من طريق التهريب"ج3/24. عاش ولد الوالد وأسرته عيشة مرفهة في إيران؛ تنظم لهم رحلات ترفيهية إلى المواقع السياحية في إيران على نفقة الدولة، ويسمح لهم بمخالفة القوانين الإيرانية للحصول على رفاهية لا يتمتع بها الشعب الإيراني "وبعد عدة محاولات تمت الموافقة على الطلب، فسمح لنا بمخالفة القانون، وخرق الحظر الإعلامي.
وهكذا حل علينا الطبق اللاقط ضيفا عزيزا احتل موقعه المناسب في شرفة المنزل لا يزاحمه فيها غير فاصل من القماش وضع بعناية ليستره من أعين الفضوليين، والآمرين بالعروف والناهين عن المنكر."ج3/53.
هكذا انقلبت حياة "المجاهد" في جبال أفغانستان إلى ترف يخفيه عن الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر!!! بعد تسعة أشهر من دخوله إيران من بوابة المليشيات مسرعا، ستسوء علاقة ولد الوالد بالجهة المضيفة له في إيران، وهي جهة لم يفصح عنها.
يذكر ولد الوالد من أسباب ذلك اعتقالات قامت بها وزارة الأمن الإيرانية في صفوف المتسللين من باكستان من المجاهدين في أفغانستان. لكنه يذكر سببا شخصيا ينم عن محاولة استغفاله لقارئ مذكراته، وإضافة بطولة إلى بطولاته الكثيرة.. "ومن التجاوزات غير الخطيرة التي حصلت في هذه المدة محاولتهم التجسس على حاسوبي الشخصي، لمعرفة ما إذا كنت أتواصل مع جهات أخرى دون علمهم... فإنني انزعجت عندما اكتشفت ذلك منهم، ولكن لم أظهر لهم أنني انتبهت لما قاموا به."ج3/54-55. ولد الوالد، خريج المعهد السعودي للدراسات والبحوث الإسلامية، وجامعة علوم القرآن في السودان، اكتشف أن أجهزة الأمن الإيرانية "حاولت"، ربما لم تنجح، التجسس على حاسوبه، فأسرها في نفسه ولم يبدها
لهم!!!
لا تحتاج النكتة إلى تعليق. نتيجة لذلك "تشكل جو مناسب لإنهاء استضافتهم لي، فاتفقنا على أن يتم ذلك في شهر رمضان 1423ه (نوفمبر2002م)"ج3/55. سيعرض عليه الإيرانيون السفر بمفرده فوافق بشرط السفر بالطائرة وبوثائق غير مزورة. لكن الإيرانيين
اقترحوا بدل ذلك السفر برا إلى تركيا أو باكستان "فلم أوافق."ج3/55. سيعرض ولد الوالد خطة سفر بديلة، قريبة من تلك التي اقترحها على ضابط الأمن السوداني، حين تقرر ترحيله من السودان. لكن الأمن الإيراني كان أكثر يقظة. "ثم اتفقنا على أن يوصلوني إلى مكان نتفق عليه داخل إيران، ومن هناك أرتب مع بعض الإخوة للسفر خارج إيران."ج3/55 تم الاتفاق على أن يوصلوه إلى مدينة آراك.
لم يكن "المجاهد" صادقا مع مضيفيه الكرام؛ فقد اتفق معهم على الخروج من إيران لكنه أخلف وعده فحاول البقاء في إيران دون علمهم! وهوما يعني أن الرجل لم يكن مدركا لحقائق الدول وأجهزتها الأمنية. وربما أغراه بفعلته إفلاته من رقابة الأجهزة الأمنية السودانية، كما زعم، وإقامته في أفغانستان حيث قبضة أجهزة الأمن رخوة. لكنه سيكتشف الحقيقة على حساب حريته. "ومن مدينة آراك ذهبت إلى مدينة كرج غرب طهران، فالذهاب إلى آراك لم يكن الغرض منه إلا التمويه على الإيرانيين، وإيهامهم أني مسافر من طهران إلى مدينة حدودية سوف أسافر منها إلى بلد آخر."ج3/57. ظن "المجاهد" أنه اختفى عن أعين الأمن الإيراني، يتنقل في مدينة كرج من بيت لآخر.. "وفي هذا البيت الأخير قضيت خمسة وعشرين يوما قبل أن يتم اعتقالي من قبل المخابرات الإيرانية،... وهو الاعتقال الذي بدأ به فصل جديد ومختلف تماما عن الفصل السابق في العلاقة مع الإيرانيين."ج3/57. (يتبع، إن شاء الله).
.gif)





.gif)