
تُشكل رسالة الرئيس الموريتاني السابق محمد ولد عبد العزيز إلى خلفه الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني تحولاً دراماتيكياً في الخطاب السياسي للرجل. فبعيداً عن لغة الاستعلاء والرفض المطلق التي طبعت مواقفه الأولى إبان بداية المحاكمة والاعتقال، تكشف هذه الرسالة -عند قراءتها بعين فاحصة وما بين السطور- عن تحول جوهرى نحو البراغماتية، والنزول من أعلى الشجرة، وقبول مُرّ لأمر الواقع، ولكن بطريقة ذكية تحفظ ماء الوجه وتفتح باب التسوية.
أولاً: النزول من أعلى الشجرة وقبول أمر الواقع (البراغماتية الجديدة)
في بداية الأزمة، كان خطاب ولد عبد العزيز يرتكز على إنكار شرعية المحاكمة برمتها، والتعامل مع النظام الحالي بمنطق التحدي ورفض الاعتراف بالمسار القضائي والسياسي القائم. أما في هذه الرسالة، فإن لغة الطرح تغيّرت جذرياً:
الاعتراف بالخصم كصاحب قرار: عندما يحمل ولد عبد العزيز الرئيس غزواني المسؤولية الشخصية بالقول: "إن لم يكن بالتقرير والتدبير، فبالإقرار والتبني"، ثم يختم بالقول: "وعليك التقدير والتقرير"، فهو هنا يقر ضمنياً وبشكل قاطع أن بيد غزواني وحده مفاتيح الحل والعقد. هذا التوجه يمثل تخلياً عملياً عن المكابرة السياسية، واعترافاً بواقعية توازنات القوة الحالية التي كان يتجاهلها في السابق.
فك ارتباط "الإنكار المطلق" بـ"الأزمة الإنسانية": تركيزه الثقيل على الملف الصحي ومحاولة نزع صفة التوسل مع الإبقاء على طلب العلاج، ينم عن رغبة جادة في إيجاد مخرج شخصي وإنساني، حتى وإن كان الثمن هو الدخول في تسوية ضمنية مع من كان يعتبرهم جزءاً من مؤامرة ضده.
ثانياً: الاعتذار الذكي (التنازل المبطن عن الاستفزاز)
قد لا تحتوي الرسالة على كلمة "أعتذر" الصريحة، لكن في العرف السياسي والدبلوماسي، يُعد تحويل لغة الهجوم الكلي إلى لغة "التذكير بالزمالة" و"المسؤولية المشتركة" شكلاً من أشكال الاعتذار الذكي أو المراجعة الاضطرارية:
التراجع عن التشكيك التام في الشرعية: في السابق، كان الخطاب يوحي بأن النظام الحالي مجرد "أداة عابرة" أو واجهة؛ أما اليوم، فإن مخاطبة غزواني بصفته الفاعلة والمقررة تعني الإقرار بشرعية سلطته في إدارة الدولة والملفات الكبرى.
طي صفحة "الند للند": الانتقال من التحدي المباشر لمنظومة الحكم إلى محاولة استنهاض الجانب الإنساني والروابط السابقة للرجلين، يمثل تنازلاً عن موقع "الرئيس المؤسس" الذي لا يخطئ، إلى موقع "السياسي الواقعي" الذي يقر بحجم المأزق وبقسوة الضربة التي تلقاها.
ثالثاً: رسائل التهدئة وتخفيف سقف المواجهة
تتضمن الرسالة إشارات واضحة تفيد بأن ولد عبد العزيز لم يعد يسعى لإسقاط النظام أو إشعال الشارع، بل يسعى لحل يضمن نجاته الشخصية وصحته:
التركيز على المعاناة الفردية لا الثورة العامة: تحول الخطاب من اتهام النظام بانهيار الدولة ومحاربة مشاريعه، إلى التركيز على مظلومية شخصية محددة (الوضع الصحي، مصادرة الأملاك، القسوة في التعامل). هذا الحصر للأزمة في إطارها "الإنساني والقانوني الضيق" هو رسالة تهدئة غير مسبوقة للقصصر الرئاسي تفيد بأنه مستعد لطي صفحة الصراع الخشن إذا ما تم حل ملفه الصحي.
إسقاط ورقة الشارع: خلو الرسالة من أي تحريض شعبي مباشر واكتفائها بـ"إشهد الشعب الموريتاني" كشاهد تاريخي لا كأداة ثورية، يؤكد أن الرجل أدرك أن معركته الشارع فيها لم تعد خياراً متاحاً، وأن الحل أصبح محصوراً في تسوية سياسية فوق الطاولة أو تحتها مع غزواني.
خلاصة تحليلية: نحو تسوية أفقها الأخير العلاج والحرية
تؤكد هذه الرسالة أن محمد ولد عبد العزيز قد أدرك بحنكة السياسي القديم أن الاستمرار في المكابرة المطلقة لم يعد يجدي نفعاً في ظل تدهور حالته الصحية وثبات أركان النظام الحالي. لقد نزل الرجل من أعلى الشجرة السياسية، وقبل بمرارة واقع أن غزواني هو الحاكم الفعلي الذي يملك سلطة العفو أو التخفيف أو السماح بالعلاج.
إنها رسالة ذكية ومحسوبة بدقة: تعتذر ضمناً عبر الاعتراف بالسلطة الفعلية للرئيس الحالي، وتستعطفه إنسانياً دون أن تفقد ما تبقى من هيبة الرمز السياسي، ممهدة الطريق لصفقة محتملة عنوانها الأساسي: "العلاج مقابل الهدوء، والحرية المقيدة مقابل طي صفحة الصراع الصدامي".
.gif)





.gif)