إعلان

تابعنا على فيسبوك

أعزل على خط النار../ د. اسحاق الكنتي

اثنين, 27/07/2026 - 15:28

" في أواخر ذي القعدة عام 1411 ه، أوائل يونيو 1991 اجتمع عدد مهم من الإخوة ورفقاء العمل الإسلامي في مطار انواكشوط الدولي لتوديع أول دفعة من أبناء العمل الإسلامي في موريتانيا تدشن أول رحلة جوية في طريقها من انواكشوط إلى جبال الهندكوش في أفغانستان" ولد الوالد، مذكرات ج1، ص:108. بهذا الإعلان الصاخب يبدأ صاحبنا سرد وقائع رحلته إلى أفغانستان. يخيل إلى القارئ أننا أمام كتيبة قوات خاصة يدفع بها خلف خطوط العدو لإحداث الفارق في معارك شرسة ضمن تضاريس قاسية. لنكتشف، في نفس الصفحة أن الأمر لا يتجاوز ثلاثة شباب يستقلون رحلة تجارية إلى مطار جدة.. "... اختارني رفيقاي أميرا على الرحلة إلى الحج والجهاد."، ص:108. سيخصص ولد الوالد الصفحات 109 إلى 133 لأدائه مناسك الحج وزيارته الأهل والأقارب في المدينة المنورة، ليعود إلى الحديث عن رحلته بلغة أكثر موضوعية؛ فلا حديث عن جبال الهندكوش، إنما عن السفر إلى باكستان.
 لقد كان الحديث عن جبال الهندكوش تهويلا يراد منه إيهام السامع بأن "المجاهدين" مقبلين على تحدي الموت مباشرة. يبلغ ارتفاع جبال الهندكوش أكثر من سبعة آلاف متر، تقع على الحدود الباكستانية الأفغانية. يقول ابن بطوطة إن كلمة كوش تعني الموت، وقد أطلقها الهنود على تلك الجبال التي كانوا يعبرون منها فيموت العديد منهم. لكن صاحبنا، عكس الهنود سيطير على رحلة للخطوط الجوية السعودية بتذكرة مخفضة بنسبة 75%. " في اليوم الأول من المحرم سنة 1442 ه/13 يوليو 1991 كنا على متن طائرة للخطوط الجوية السعودية متوجهين من مطار الملك عبد العزيز في جدة إلى مطار إسلام أباد في باكستان." ص:134. وبعيدا عن جبال الهندكوش وجد "المجاهد" سيارة تنتظره ومضافة تستقبله في بيشاور في باكستان. بقي ولد الولد في بيشاور بعض الوقت لإتمام بعض الإجراءات مثل اختلاق هوية جديدة سيعرف بها وسط "المجاهدين" "أبو حفص الموريتاني"، ويترك متعلقاته، وهويته القديمة في أمانات المضافة. "تركنا أسماءنا وأماناتنا في مضافة الأنصار، وتحركنا باتجاه جهاد وال في منطقة خوست داخل أفغانستان حيث معسكرات القاعدة." ص:139.
 ينزل ولد الولد في معسكر الفاروق فيسهب في وصف المعسكر، وما يتخذ فيه من إجراءات بالنسبة للوافدين الجدد. للمعسكر برنامج تدريبي "يستثنى منه بعض الدعاة وطلاب العلم والضيوف... ويستغرق شهرين تقريبا." ص:145. سيستثنى ولد الوالد من التدريب في معسكر الفاروق لانطباق إحدى الصفات الثلاث، أو كلها عليه. من أبرز أنشطته في المعسكر قتله أفعى شاركته فراشه في المسجد، أو تكليفه ببعض الدروس والكلمات التوجيهية في المعسكر، ص:147/155. كما سيشارك في مسيرة راجلة من المعسكر إلى مدينة خوست. "بعد عودتنا من تلك المسيرة التاريخية، سقط عدد من الإخوة مرضى بالملاريا، وكنت من بينهم." ص:180. وتم إجلاؤه إلى بيشاور لتلقي العلاج. قبل سفره زوده أمير المعسكر برسالة لمسؤول التجنيد في بيشاور يرشحه للانضمام للقاعدة. لكنه تريث في اتخاذ قراره " لم أكن مستعجلا في الانضمام للقاعدة، وطليت مهلة كافية لمزيد من التفكير ودراسة الأمر." ص:186.
 كانت بيشاور تعج بعشرات المضافات التي تستقبل القادمين للجهاد في أفغانستان، ومن ضمنها مضافة مكتب الخدمات. اختار ولد الوالد من المطار ركوب سيارة تنظيم القاعدة، والإقامة في مضافته، ثم الانتقال إلى معسكره في أفغانستان حيث أمضى شهرين. وحين عرض عليه الانضمام إلى القاعدة طلب مهلة للتفكير. ثم يطوف على بعض رموز الجهاد في بيشاور؛ سياف وحكمتيار. وتنتهي الجولة "... ولم أتخذ قرارا بشأن الجهة التي سأخدم الجهاد من خلالها." ص:190. وللمزيد من الحيطة والحذر سيعود إلى أفغانستان "في خط النار الأول" على جبهة جلال أباد. قضى ولد الوالد وقتا قصيرا ليلا، في موقع متقدم تعرض للقصف "رجعت للمركز الخلفي حزينا، بعد أن استمتعت فوق جبل قباء، بما أظنه أفضل ليالي حياتي في ذلك الوقت." ص:200. وبذلك تنتهي تجربة ولد الوالد الجهادية، ليبدأ جني مكاسب تلك التجربة التي لم تتجاوز بضعة أشهر. "من المركز الخلفي طلبت إلى بيشاور، وهناك استقر رأيي على إكمال إجراءات الانضمام لتنظيم القاعدة..." ص:200.
 في الوقت الذي كان فيه بعض المجاهدين يرابطون في المواقع المتقدمة، ويلتحمون مع العدو، وتمزق أجسادهم الطاهرة شظايا القذائف، يسجل ولد الوالد بعد عقود غبطته بالانضمام لأكثر "... تنظيمات الأرض شهرة على الاطلاق،..." ص:200. ويفرح لما أصابه من "شظايا تلك الشهرة..."
 لم يذهب ولد الوالد إلى أفغانستان ليقاتل في سبيل الله، ولا طلبا للشهادة، فسلوكه الذي يسرده في مذكراته يدل على ذلك. لم يلمس سلاحا بيده، ولم يشارك في نوبات الحراسة الليلية في معسكر الفاروق، وإنما نازع أفعى فراشا في المسجد. ولم يلتحق بجبهة جلال أباد مرابطا، وإنما زائرا لساعات من الليل مثل الباحثين عن الأخبار والمغامرة. لذلك فإن رحلته تظل خارج السور الذي حدد به صلى الله عليه وسلم الجهاد في سبيل الله: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله"، البخاري.
لفهم هذا السلوك علينا أن نعود لموقف جماعة الإخوان المسلمين من الجهاد الأفغاني. لقد منعوا أفرادهم المتجهين إلى أفغانستان من التدريب على السلاح، أحرى المشاركة في المعارك. فقد اتفقوا مع السادات على ذلك. فانشغل التنظيم بما يحسنه؛ جمع التبرعات، والأعمال الخيرية، والدروس والمواعظ، ولم يشترك منهم في القتال إلا من اتخذ قرارا فرديا قد يؤدي به إلى الفصل من التنظيم، كما حدث مع أسامة بن لادن.
 يشتكي عبد الله عزام من تقاعس الإخوان عن الجهاد: "الحركة الإسلامية تبخل علي بأبنائها." يوتيوب: رحلتي مع الجهاد، الحلقة 8، الدقيقة 23، نقلا عن سمرين، ماذا قيل يوما، ص:97. ولا يرى عبد الله عزام أن انشغال الإخوان بالدعوة يعفيهم من النفير للجهاد.." لا يعفي من مسؤولية ترك الجهاد شيء سواء كان ذلك دعوة، أو تأليفا، أو تربية، أو غير ذلك." الذخائر، ج1، ص:1009، نقلا عن سمرين، ص:93. يذهب عبد الله عزام أبعد من ذلك "لا أرى، والله أعلم، أي فرق بين تارك القتال في سبيل الله، وبين تارك الصلاة والصيام والزكاة." سمرين، ص:92. رغم ذلك لم يشارك عزام في أي معركة في أفغانستان، وقد دارت معركة جاجي على مرمى حجر من معسكر صدى التابع له، وكان فيه عند اندلاع المعركة. ولم يرسل أيا من أولاده لجبهات القتال، وإنما اكتفى "بالدعوة والتأليف والتربية وغير ذلك"، وإن كان يظهر في بعض الصور محتضنا سلاحه!
 لقد كان للإخوان أجندتهم الخاصة في أفغانستان، فهل كان ولد الوالد جزء منها؟ فقد التزم توجيهاتهم بعدم التدريب على السلاح، وعدم المشاركة في القتال، والانشغال بالدعوة والتربية. تلكم الدعوة والتربية الهادفة إلى جعل أفغانستان إخوانية كما صرح بذلك عبد الله عزام نفسه. "وفروا لي 60 داعية... وأنا أضمن لكم بإذن الله، أن أحول لكم أفغانستان إلى إخوان مسلمين خلال سنتين." أحجم الإخوان عن التدريب والقتال رغم فتاوى مشايخهم ومشايخ السلفية بأن الجهاد في أفغانستان فرض عين! اكتفوا بالتحريض والتجنيد من خارج التنظيم؛ فتدفق أصحاب العاطفة الدينية الصادقة الذين وثقوا في الإخوان ولم يطلعوا على أجندتهم الخفية " كان بعضُهم يأتي من أوروبا، وكانوا في مراحلهم النهائيّة من دراساتهم العليا. وبعضهم كان من التجّار والمعلِّمين. أيضًا كان ثمّة عدد كبير من أبناء الطبقة الوسطى من الخليجيين. أواخرَ العام 1992، فترة سقوط الرئيس محمد نجيب الله، كان عددُهم قد وصل إلى ما بين 4000 و5000 مجاهد، بينهم ما يقارب 10 - 15% متفرّغون للعمل بصفةٍ دائمة."
 تمت التضحية بهذه النخب في جبال وسهول أفغانستان، وقد كان الأولى بها الجهاد في أوطانها ضد الفقر والجهل والتخلف. سيعيد الزمن كرته بعد ذلك بعقدين فتدمر بلدان في ربيع تحالف فيه الإخوان مع نفس البلدان التي تحالفوا معها في مشروع الجهاد ضد الإلحاد؛ البلدان الاستعمارية الغربية. ستختلف الشعارات لكن النتيجة واحدة؛ دموع ودماء وخراب أوطان أوصل الإخوان إلى السلطة في تونس ومصر وليبيا واليمن، واستعصت سوريا عليهم لتدخل حربا أهلية شردت ملايين السوريين، وقتلت عشرات الآلاف...
 عاد ولد الوالد إلى انواكشوط لأن تنظيم القاعدة يريد منه إكمال دراسته. "كان قرار رجوعي إلى موريتانيا في شهر رمضان من عام1412 ه\ مارس 1992..."، ص:211، ليبدأ جني ثمار "جهاده"...