إعلان

تابعنا على فيسبوك

منهج مولانا الإمام هو السهل الممتنع/ الشيخ المحفوظ ولد بيه

أربعاء, 24/06/2026 - 17:48

إني لأستحي من مسكة العقل التي منحنا الرب سبحانه أن أُرى أخوض مع الخائضين في فرية الإبراهيمية، أن أَبُلَّ فيها قلمًا أو أنبس فيها ببنت شفة.
فماذا عساني أن أقول في أمرٍ لا رأس له ولا ذنب، بُني على زُور وغُذِيَ بزُور، فأنى يُستجاب له، إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون.
أأنتهض لتبرئة جناب مطهر من ترهاتِ أوهامٍ كُسِينَ بخَيْعَل؟!
أأكتب لأدفع التهمة عمّن ليس على الوحي بظنين، إنّما يُنفى العيب عن المحلّ القابل له، أولئك مبرؤون مما يقولون.
أيجوز في حكم الشرع وميزان العقل، أن أجمع في قضية إسنادية موضوعًا ومحمولًا (شيخنا لا يدعو إلى دين جديد)؟!، كبر مقتًا والله أن تتسق هذه الكلمات في نظم واحد:
ألم ترَ أن السيف ينقص قدره * إذا قيل إن السيف أمضى من العصا
أأشغل وقتي ووقت المعتامين لصفحتي ببيان الواضحات، وبيان الواضحات من الفاضحات، أسرد بدهيات من المعلوم من الدين بالضرورة لألبس بها على الناس!
أم أروم ما أعيا الأولين والآخرين من نفع من لا ينتفع (إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين).
أأصدف عمّا أنا فيه من مثافنة الحياة، لأنشغل ببنيات الطريق التي من قَبل أن تجتاله الشياطين إليها هلك ولم يبلغ من مراده مقصدًا.
أأرمي ريشي الذي راشني الله، بسابق عنايته ومنّه، فيستخفّني الذين لا يعلمون، لأنطق هُجرًا، وأثلب أعراضًا، عرضها علينا أهلها، فعفناها تنزّهًا عن الميتة، لا عجزًا ولا غفلة.
نعوذ بالله من الخسران المبين، قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ.
ولطلبة العلم أهمس بهذه الكلمات عن المنهج:
إن منهج مولانا الإمام هو السهل الممتنع الذي رامه كثيرون من أهل العصر، فأخطأوا الرمية، وكعوا عن الغاية، هو موازنة دقيقة بين التشبث بالمحكمات والتسهيل في الاجتهاديات.
وقد لخّص مولانا الإمام منهجه في النظر الشرعي بعبارة مستمدة من الحديث الشريف في وصف سير النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: "كان يسير العَنَق، فإذا وجد فجوةً نصّ"، وهكذا سير الفكر في القضايا يظل ممسك العنان، فمتى ما بدت له فرجة وإذن من الشارع نصّ، أي زاد سرعته، وأقدم إقدام المُدِلِّ غير المتهيب.
وقد من الله عليّ بملازمة مولانا الإمام أمد الله في عمره فلم أرَه في شيء أكثر تحفظًا منه في باب الاعتقاد، ولئن كان في التعليم يقرّر ما عليه أهل السنة من جواز التأويل، لأنه حق لا مرية فيه، فإنه في اختياره لنفسه ولمن يلوذون به، من أكثر الناس تهيبًا له، بل مذهبه مذهب العارفين من ترجيح التفويض. فلا يطمئن للتأويل إلا في مسائل معدودة انعقد الإجماع عليها للتنزيه. وإلا فإنه وهو العقلاني المتبصر، الناصر للعقل، غاية في رفض تحكيم ظواهر العقول في النصوص، حاملًا لها على الظاهر ما وجد إلى ذلك سبيلًا، أو مفوضًا أمرها إلى المولى سبحانه، وقد سمعته مرات يزجرنا عن تأويل أشراط الساعة ولو على وجه المباحثة، ولا يقبل فيها صرفا ولا عدلا.
وسمعنا نذكر المقولة المشهورة "مذهب السلف أسلم ومذهب المتأخرين أعلم وأحكم" فقال الأولى أن نقول: "ومذهب المتأخرين أفهم" بمعنى أكثر تفهيما.
ولم أر أعظم توقيرًا لمقام النبوة منه، بحيث لا يكاد يسمح بالمقايسة في هذا الباب، إلا في مجال التشريع، أما أحوال النبوة فلا يأذن فيها بالكلام أصلًا، وسمعته مرة في معرض تفسير بعض مخاطبات المولى سبحانه للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: (هذا ما لا مجال لنا فيه، فما بين الرب ورسوله لا مدخل لنا إليه) أو كلام هذا معناه.
وكم مسألة سمعته في المباحثة يقررها غاية التقرير بأوجه من التأويل البديع، ثم إذا كتبها على وجه التحرير، ضرب الذكر صفحًا عن ذلك كله، ولزم غرز ما عليه الجمهور لا يعدل عنه يمنة ولا يسرة.
وأذكر أنني مرة كتبت مقالًا رجحت فيه قولًا مرويًا عن السلف بعدم إسلام مخيريق، فجئته جذلان فرحًا بما كتبت، فزجرني بكلمات شديدة وقال: "استقم يا بني ولا تتنكب عن الصراط المستقيم، إن كل ما يجري في الكون من قدر الله فلا يحملنك على مخالفة المحكمات"، وذكر حديث خروج الدجال وفيه: "فعاثَ يمينًا وشمالًا، يا عبادَ اللهِ فاثبُتوا".
وأذكر أنه وردت على مولانا الإمام نازلة فابتدرتها على وجه التمرن وقيدت فيها بحثًا، فلما عرضته عليه نهاني عن استسهال الرخصة في مقام القطعيات، وقال لي: لا تكن كما في القصة الموريتانية، أن قبيلتين كانتا متجاورتين وإحداهما تبغي الشر للأخرى وتبحث عن سبب، فكان من الأمر أن كلب القبيلة الثانية وجد سلى شاة للقبيلة الأخرى فأكله، فجاء أهل الشاة صائلين يريدون أن يسطوا بأهل الكلب، فقالوا لهم: إنما أكل سلى شاة، فقالوا: من أكل السلى في هذه المرة يأكل خروفًا في المرة الأخرى.
وقد كنت سمعته يقرر بعض القواعد فأعملتها بين يديه في نازلة من نوازل العصر، فأمرني بمحوها، قائلا " هي حقٌّ ولكن سد الذريعة في هذا الباب واجب، لئلا يُتوسّل بها إلى التسوّر على القطعيات".
وإن أنس لا أنسى يومًا كنت فيه أستمليه خطابًا عن فضائل القرآن الكريم، فورد قوله تعالى: يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورًا مبينًا، فالتفت إلي بوجهه الكريم وقال لي: "أي بُنَيَّ لا تموتنّ إلا وأنت من المسلمين".
اللهم أحينا مسلمين وأمتنا مسلمين وابعثنا مع إمام المسلمين وسيد المرسلين سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الشيخ المحفوظ ولد بيه

العنوان الأصلي للمقال

كان يسير العَنَق، فإذا وجد فجوةً نصّ