
يثير مشروع القانون المحال إلى البرلمان، والرامي إلى تعديل بعض أحكام النظام الأساسي لضباط الجيش الوطني، تساؤلات جدية بشأن دوافعه الحقيقية ومدى وجاهته وانسجامه السياسي.
وتكمن مفارقة المشهد في أن الذين يقودون هذه المبادرة اليوم هم أنفسهم الفاعلون الرئيسيون في انقلابي عامي 2005 و2008. فالأعضاء السابقون في المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية، الذين أوقفوا المسار الدستوري آنذاك، هم أنفسهم الذين يتولون اليوم أعلى المناصب في الدولة.
فبعد أن استبدلوا بزاتهم العسكرية بأثواب ديمقراطية صورية فُصّلت على مقاسهم، يقدّم هؤلاء الانقلابيون السابقون أنفسهم اليوم باعتبارهم حماة الشرعية الجمهورية ودعاة الفصل بين المؤسسة العسكرية والعمل السياسي. وهي مراجعة كان يمكن الترحيب بها لو لم تكن مشوبة بتناقض جوهري؛ إذ إنهم يسعون إلى منع الآخرين مما سمحوا به لأنفسهم ومارسوه دون حرج.
والواقع أن جزءاً مهماً من الطبقة الحاكمة الحالية خرج مباشرة من رحم المؤسسة العسكرية. بل إن بعض أفرادها لم ينتظروا سوى فترات وجيزة للغاية بعد مغادرتهم صفوف الجيش لولوج الحقل السياسي، وتولي المسؤوليات الحكومية، وإحكام السيطرة على مؤسسات الدولة، وممارسة السلطة بأشكال أخرى.
ومن ثم، كيف يمكن تبرير حرمان ضابط متقاعد أصبح مواطناً عادياً من بعض حقوقه أو إخضاعه لقيود خاصة، في حين أن الذين يحكمون البلاد اليوم شيدوا مساراتهم السياسية على الامتداد المباشر لتجربتهم العسكرية؟
لذلك، قد تبدو هذه الإصلاحات أقل ارتباطاً برغبة صادقة في تعزيز دولة القانون والمؤسسات، وأكثر ارتباطاً بالسعي إلى تحييد بعض الأصوات المخالفة المنحدرة من المؤسسة العسكرية، وخاصة تلك التي لا تتبنى توجهات السلطة أو تعبر علناً عن مواقف نقدية تجاه أسلوب الحكم القائم.
ومع ذلك، فإن وراء هذا الجدل مبدأً يستحق التأييد الكامل، وهو الإبعاد النهائي للمؤسسة العسكرية عن دائرة التنافس السياسي. نعم، تحتاج موريتانيا إلى جيش جمهوري محترف، ملتزم التزاماً صارماً بمهامه الدستورية. نعم، ينبغي إبعاد الضباط العاملين بصورة كاملة عن التجاذبات السياسية. نعم، يجب أن يتراجع تدريجياً تأثير الشبكات العسكرية في الحياة العامة. غير أن هذا المبدأ لا يكتسب المصداقية إلا إذا طُبّق على الجميع دون استثناء أو انتقائية أو حسابات سياسية.
فإذا كانت السلطة جادة حقاً في تدشين مرحلة جديدة يتوقف فيها العسكريون، سواء كانوا في الخدمة أو في التقاعد، عن ممارسة أي تأثير مباشر على الحياة السياسية الوطنية، فعليها أن تبدأ بنفسها وأن تقدم النموذج قبل أن تطالب الآخرين به.
إن مثل هذا التحول التاريخي ينبغي أن يترجم إلى استقالة جميع الضباط السابقين الذين يشغلون اليوم مناصب سياسية عليا، أو حقائب وزارية، أو مسؤوليات برلمانية، أو إدارات للمؤسسات العمومية، أو عضويات في مجالس الإدارة، أو أي مواقع أخرى تستمد نفوذها بصورة مباشرة من الخلفية العسكرية لأصحابها.
فالديمقراطية لا تُبنى بإغلاق الباب خلف من عبره أولاً. ولا يجوز تحويل امتياز شخصي إلى حظر جماعي. كما لا يمكن مطالبة الآخرين بتضحيات يرفض أصحاب القرار تقديمها لأنفسهم.
وعليه، فإن مصداقية مثل هذا الإصلاح لن تُقاس بحجم القيود المفروضة على الضباط المتقاعدين، بل بمدى استعداد من يمسكون بزمام السلطة اليوم لتطبيق المبادئ التي يرفعونها على أنفسهم قبل غيرهم.
وإلا فإن هذه المبادرة ستظل تُنظر إليها باعتبارها مجرد عملية سياسية ظرفية، يقودها انقلابيون سابقون أعادوا تدوير أنفسهم في هيئة قادة مدنيين، ويسعون إلى إغلاق المجال السياسي الذي دخلوه أصلاً بفضل النفوذ الذي وفرته لهم البزة العسكرية، والتي يدّعون اليوم أنهم يريدون إبعادها عن دوائر الحكم.
لبات المعيوف
.gif)





.gif)