إعلان

تابعنا على فيسبوك

موريتانيا و آداكس: نموذج لعلاقة معقدة بين الاقتصاد والسياسة والسيادة( 1 )

اثنين, 20/04/2026 - 22:26

مقدمة :  
مع بداية الحرب التي تشنها أمريكا و إسرائيل على إيران  و تداعياتها التي نتجت عنها على المستوى الدولي و تضرر بلادنا من تأثير إغلاق  مضيق هرمز على أسعار الطاقة في العالم ، و الزيادات الكبيرة التي أقرتها الحكومة الموريتانية على مختلف أنواع المحروقات ، بدأت التساؤلات تطرح حول قطاع المحروقات في بلادنا و السياسات المنتهجة و الشركات الفاعلة فيه و كذلك الأسعار التي يتم بها تداول المحروقات و مدى توافقها مع سعر التكلفة ، و دور الدعم الحكومي  في موازنة الأسعار .. ففي الاقتصادات الهشة، لا تكون الطاقة مجرد سلعة، بل تتحول إلى عنصر حاسم في الاستقرار السياسي والاجتماعي و تسعى الدول إلى توفير الطاقة بأي ثمن ، و تبذل الكثير في سبيل ذلك ، و خصوصا عندما  تعتمد الدولة  على استيراد هذه المواد ، فتلجأ إلى آليات  مختلفة لتوفير احتياجاتها و بالطرق السهلة  إن وجدت ، لكنه في حالة بلادنا يوجد احتكار تام لاستيراد المحروقات من طرف شركة آداكس  Addax التي تنتمي إلى شبكة شركات تقودها Oryx Energies، وهي بدورها جزء من مجموعة استثمارية دولية. هذا الارتباط يمنحها قوة مالية ولوجستية كبيرة، مدعومة بخطوط تمويل من بنوك و مؤسسات تمويل دولية.
لكن ما يميز نموذج Addax في موريتانيا هو أنه يتجاوز التجارة التقليدية. فالشركة لا تكتفي بشراء الوقود و إعادة بيعه، بل تتحكم في كامل السلسلة: الشراء من الأسواق العالمية و النقل البحري و التخزين. و هذا التكامل يمنحها قدرة استثنائية على فرض شروطها، ويجعلها شريكاً لا يمكن الاستغناء عنه بسهولة. و لذلك فجميع المحاولات التي قامت بها إدارات في الدولة لتغيير  عقد آداكس أو إدخال بعض المنافسة في القطاع باءت بالفشل ، نتيجة وضعية الشركة و كذلك نتيجة تغلغلها داخل نسيج السلطة و دعمها من أطراف وازنة ، و هيمنتها على القطاع لفترة تزيد على عشر سنوات  ، و إن كان بعض الخبراء يرى في ذلك خطرا على البلد و هشاشة أمام التغيرات الجيوسياسية فالخبير الموريتاني المعتمد لدى الأمم المتحدة في مجال البيئة والطاقة، ابراهيم تياو، يرى  أن الأزمة الحالية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، لم تكن السبب في هشاشة موريتانيا الطاقوية، بل إنها كشفتها بصورة أكثر حدة.
ورأى الخبير الأممي في مقال له على موقع أقلام ، أن اعتماد موريتانيا الكبير على المحروقات المستوردة يجعلها- وبصفة دائمة - ضمن دائرة التأثر بأي اضطراب خارجي في أسواق الطاقة العالمية، وهو ما سينعكس بشكل سريع على الاقتصادية  العامة ،وأسعار الوقود، وتكاليف المعيشة، بل وعلى حياة المواطن اليومية من خلال انقطاع الكهرباء وإلزامية العودة إلى الفحم والحطب. 
وخلص ابراهيم تياو إلى أن الأزمة الحالية يجب أن تدفع موريتانيا إلى تغيير مسارها الطاقوي بشكل جذري، عبر توجيه الدعم المخصص للمحروقات نحو تمويل الانتقال إلى الطاقات المتجددة، والاستفادة من وفرة الشمس والرياح في البلاد، وتوسيع الشبكات الصغيرة والكهرباء الريفية.
و إن كان تغيير السياسة الطاقوية في البلد يبدو بعيد المنال إلا أن البدء في البحث عن حلول لهذه الأزمة أصبح ملحا ، مثل  بناء مخازن في مختلف مناطق البلد و اتباع سياسة الاعتماد على عدة جهات للتوريد ، حتى لا تتكرر الأزمات و تظل بدون حلول.
1- البنية التحتية و مسار الإمدادات 
تعتمد بلادنا اعتمادا كاملا على استيراد المنتجات البترولية لتلبية احتياجاتها المحلية ، فهي لا تمتلك مصفاة لتكرير النفط ، كما أن بنيتها التحتية لتخزين الوقود تظل محدودة مقارنة بحجم الاستهلاك ، فوفقا للبيانات المتاحة ما يقارب من  98% من إنتاج الكهرباء يعتمد على  محطات حرارية تعمل بالديزل و زيت الوقود الثقيل لفيول مما يعني أن أي اضطراب في سلسلة توريد المحروقات قد يفضي مباشرة إلى عجز في الكهرباء و انقطاعها و توقف الاقتصاد و الأنشطة الحيوية ، و يقدر استهلاك موريتانيا السنوي للوقود بحوالي 1.13 مليون طن ، تشمل البنزين و الكيروسين و ديزل السيارات و زيت الوقود الثقيل لفيول و يتم استيراد هذه الكميات عبر ميناء انواذيبو الذي يعد المنفذ البحري الرئيس لاستقبال شحنات الوقود ، إضافة إلى ميناء انواكشوط الذي يستقبل جزءا من الإمدادات عبر النقل البحري الداخلي _ كابوتاج _ و تأتي هذه الشحنات في الغالب من مصافي أوروبية ، لا سيما الإسبانية منها حيث تتم عملية التكرير و التخزين قبل الشحن إلى موريتانيا.
يمكن تلخيص مسار توريد المحروقات الحالي إلى موريتانيا ، أي في هذه الفترة التي تتولى الاستيراد فيه شركة آداكس في عدة مراحل متتالية تبدأ من الاستخراج في دول الخليج العربي أو مناطق الإنتاج الأخرى مرورا بالتكرير في مصافي أوروبية غالبا ما في اسبانيا ثم الشحن البحري إلى مستودعات آداكس في ميناء لاس بالماس وصولا إلى الشحن النهائي إلى ميناء انواذيبو ، و يضاف إلى  هذا المسار الطويل سلسلة من التكاليف التي تشمل الشحن البحري الدولي و التأمين و كلفة الائتمان المالي و الرسوم الجمركية و هوامش الربح التي تتراكم في كل مرحلة لتزيد العبء و الكلفة على الثمن النهائي ، كما تضاف إلى هذا  أثمان مثل ثمن هشاشة السلسلة اللوجستية و ثمن التمويل و ثمن الاحتياط و ثمن إدارة المخاطر ، ما يعني أن السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك الموريتاني يتضمن عناصر كثيرة تتجاوز السعر الدولي للنفط مما يجعله أعلى من ما قد يكون عليه في دولة تمتلك بنية تحتية أفضل أو تتعامل مع موردين متعددين حيث يخلق ذلك منافسة في السعر و تحسينا في الجودة.
أما سعة التخزين فقد لخصها رئيس اتحاد أرباب العمل في مؤتمر صحفي قائلا : إن سعة التخزين في نواكشوط وصلت حاليًا إلى 83 ألف طن، مع استمرار العمل على إنشاء سعة إضافية تبلغ 100 ألف طن من المتوقع اكتمالها قبل نهاية العام، وهو ما سيمكن من استقبال السفن وتموينها مباشرة في نواكشوط وتخزين حمولتها محليًا.
وفيما يتعلق بمدينة نواذيبو، أشار إلى أن سعة التخزين كانت في حدود 160 ألف طن، فيما يجري حاليًا تنفيذ أعمال إنشاء وصيانة لسعة إضافية تبلغ 90 ألف طن، ليرتفع إجمالي سعة التخزين في المدينة إلى نحو 250 ألف طن. كل هذا مع ملاحظة أن الآجال في المشاريع غير محترمة في بلادنا ، خصوصا أن مشروع بناء الخزانات قد فازت به آداكس بعد مناقصة تم تداول أخبار عن تغيير بعض الشروط فيها حتى تتمكن آداكس من المشاركة.
2- مسار العقد و مسؤوليات الأطراف 
في هذه الفقرة سنرجع لما كتبه الأستاذ و الوزير السابق سيد أحمد ولد أبوه بتاريخ 1 فبراير 2022 منشور في موقع البيان ، وقد لخص هذا المسار بطريقة فنية و علمية جميلة ، حيث  يقول :
يتم التعاقد مع المزود عبر مناقصة دولية تشرف عليها اللجنة الوطنية للمحروقات، ويتم توقيع العقود الانفرادية  من طرف اسنيم وصوملك وتازيازت وام سي ام وتجمع الصيد والمسوقين الخصوصيين (علامات محطات الوقود التي تنتشر في البلاد)، وتتولى اسنيم بحكم حجم استهلاكها رئاسة الفريق، حيث تُحرّرُ الضمانات المالية عن الوفاء بالعقد باسمها ولشركة اسنيم كما لغيرها من أعضاء الفريق حق المطالبة بتعويضات بعنوان غرامات التأخير، كما لها ولغيرها أن تُفعِّل الضمانات البنكية الموجودة بحوزتها لضمان حصولها على دفع غرامات التأخير، والتي كانت تصل في العقود السابقة  مائة ألف دولار عن كل يوم تأخير.
ولحساسية هذه المادة وارتباطها بمختلف مفاصل الحياة والاقتصاد، تتولى الدولة عبر وزارة البترول والطاقة والمعادن (المديرية العامة للمحروقات) متابعة تنفيذ هذا العقد والمتابعة اليومية لتطور المخزون الاحتياطي، والذي لا يمكن أن يقل عن 42 ألف طن بالنسبة للوقود الثقيل و 80 ألف طن بالنسبة للمازوت.
و يُعدّ السوق الموريتاني، الذي يقل حجمه بثلاث مرات عن أسواق Senegal أو Mali، سوقًا يفرض عددًا كبيرًا من دورات التوريد (rotations) بسبب محدودية قدرات التخزين، وهو ما يؤدي إلى تقييد هوامش أرباح الممونين (traders).
فعلى الرغم من الإعلان عن سعة تخزين تبلغ 400 ألف طن، تشير مصادر قريبة من مجموعة Oryx إلى أن القدرة الفعلية لا تتجاوز 120 ألف طن.
وقد توقفت العديد من شركات التداول الكبرى من الصف الأول، مثل: (Vitol  ) و  (Glencore  )  و كذلك  (  Gunvor )  عن المشاركة في طلبات العروض الخاصة بالبلاد.
ويقول أحد الخبراء في هذا الملف:
"إنه عقد عالي المخاطر. فكل عام يتم توسيع الخطوط الحمراء قليلاً. و مع تعدد المتدخلين، يصبح من الصعب التوصل إلى توافق بين الجميع. و سيكون على الدولة يومًا ما إعادة هيكلة هذا النظام بالكامل، وإلا فلن ترغب أي شركة في تقديم عرض."
أما عن النظام التجاري للعقد ومسؤوليات أطرافه:
 فقد تمكن المزود في يوليو 2020 من تعبئة قرض ب 200 مليون دولار من تجمع مقرضين من ضمنهم مؤسسة التمويل الدولية  (IFC) ويقودهم Société Générale قصد الوفاء بالتزاماته اتجاه السوق الموريتاني.
يلتزم المزود بضمان توفر شحنات كافية بموريتانيا للاستهلاك حسب المعدل اليومي على أساس تقديرات الفترة السابقة المضمنة بملحق العقد وذلك دون المساس بالمخزون الاحتياطي الذي تتابع الدولة وضعيته بشكل مستمر كما يلتزم المزود بتلبية أي طلبية من أحد المتعاقدين على أن يفي هذا الأخير بالتزاماته المالية بفتح اعتماد مستندي (crédit documentaire) عبر أحد البنوك الموريتانية أو  التحويل المباشر بالنسبة لاسنيم وللمتعاقدين الأجانب (تازيازت وغيرها) لتوفرهم على سيولة من العملة الصعبة بحساباتهم الدولية. و لضمان جودة الشحنات ومطابقتها للمواصفات الدولية المضمنة بدفتر الالتزامات تتولى الدولة عبر شركة SOMIR التابعة لوزارة البترول فحص عينات الشحنات المستلمة والتأكد من مطابقتها قبل الترخيص بتسليمها. تبين هذه اللمحة المسار الذي يجب أن تمر به المعاملات بطريقة قانونية و تنطبق عليها شروط التعاقد و تنفذ كما يجب، و تلك لعمري مسألة فيها نظر.

 بقلم محمد سالم الشيخ

---

المقال من 3 أجزاء