
وكأن ولد اوداع كان يحتاج إلي كل هذه المحن ليكتب لنا بهذا النفس الإنساني الرقراق.
أهداني الوزير محمد عبد الله اوداعه اليوم - نسخة موسومة بخط محظري جميل - كتابه المعنون ب المتهم رقم 4؛ الصادر حديثا عن " المركز الثقافي للكتاب".
تأملت الغلاف والخط والتصميم ودار النشر المعروفة ؛ وعادت بي ذاكرتي المتعبة إلى قصاصات أخبار أنشطة مئات الوزراء؛ كان هو الثابت والمتحول في عشر سنوات .
يتقاطع تاريخ الوزير ولد اداع مع محطات عجيبة من مسيرتي العادية كصحفي؛ حيث كدت أفقد عملي ذات شتاء بسبب خطأ في قراءة اسمه في نشرة أخبار .
ولولا لطف الله لكان السيد المدير المتحمس جدا للوزير قد حولني إلي رقم 4 في عدد الشباب الذين سرحهم ذلك العام العجيب .
عادت بي صفحات الكتاب المثير لعشرات النشرات التلفزيونية والإذاعية والمكتوبة التي حررتها وقدمتها ونسقت ضيوفها في سنوات العرق النازف .
تذكرت كيف تخير هذا الشاب (المحظوظ ساعتها في عيني ) في وزارات حكومة بلده ؛ فحين يتعب من الصناعة والمعادن يأخذ قيلولة وزارية عند نبع وزارة المياه وحين تنتشر صور " لبادين الصفر " في الداخل يُجهز نفسه لوزارة النقل وحين يمل من أحاديث مجلس الوزراء يستريح في أقصى الشمال؛ حيث طموح البدايات في " اسنيم"
غير أن ولد اوداعه الذي علمته بورصات الحديد ( أيام كان يتولى إداراتها ) تباين النزول والصعود جرب هذه المرة تداعيات مؤشرات من نوع آخر ؛ حيث استغل مقعده في باص أزرق غامق مظلل لايُفضي إلي مكتب وثير .
وتحول الإسم المُشع في السياسة المحلية والوطنية إلي رقم 4... هكذا بدون مقدمات لكن الفتى الذي استهل كتابه بالترحم على والده الذي يبدو أنه حقنه بيقينيات حياتية معززة بتربية خاصة جعلته يواجه مصيره لوحده متسلحا بإرادة حديدية لإثبات براءته في ملف طويل اختصره هو في عشرين فصلا وثمانية ملاحق في كتابه.
تبدو حياة الكاتب / الوزير / المتهم/ البريء الذي أبصر النور في عاصمة وسط الوسط الموريتاني مليئة بالتقلبات التي تحلو لصائدي السير غير النمطية في بلاد من النادر أن يكتب فيها مسؤول عن تجربته !!
فمن الاگ؛ عاصمة لبراكنة قذفت الأقدار بالفتي المتأهب لحفر اسمه في قائمة ساسة موريتانيا وكأنه توق أبدي عند أهل آلاگ أن يخدموا جمهورية تشكلت في مدينتهم خلال مؤتمر مايو 1958.
استمتعت بقراءة 400 صفحة من الحجم الكبير في ورق فاخر وبخط يستطيع أربعيني أن يقرأه دون عناء كبير .
خلال فصول الكتاب الذي اهتم أساسا بفصل تابعناه كموريتانيين في ملف العشرية وكيف تحول فيه وزير سابق إلى متهم يبحث عن كل ما يستطيع أن يثبت به براءته من تهم خطيرة في ملف شائك .
يُلخص كتاب الوزير اوداعه رحلة صعود وهبوط؛ رحلة قذفت بصاحبها لواجهة الأحداث وزيرا طيلة عشر سنوات كما شغل إدارة أكبر مؤسسة اقتصادية في البلاد وثاني منتج للحديد في إفريقيا .
يرتبط ولد اوداعه بالرقم 4 بشكل سينمائي؛ حيث عُين وزيرا أربع مرات
وحمل ذات الرقم في لائحة المتهمين في أكبر الملفات القضائية إثارة في تاريخ موريتانيا .
وهنا أنوه بشجاعة ولد اوداعه وفهمه لأهمية الكلمة المكتوبة في مجتمع يجمع انطباعاته ورؤاه من مجالس الصالونات .
وممتن لإثرائه النقاش في المجال العام الموريتاني بكتاب سرد قصة أهم ملف في تاريخنا الوطني المعاصر من مخافر الشرطة إلي النطق بالحكم .
كما أني انبهرت بمستوى المنهجية والأسلوب وحجم ونوع الوثائق التي تضمنها الكتاب .
شكرا للمتهم رقم 4 الذي آمن بتوثيق اللحظة وإشراك الجمهور في تفاصيل هذه التجربة .
ولا يمكنني إلا أن أسجل إعجابي بأسلوب الكاتب وثقافته العالية التي لولا هذا الكتاب لبقيت على اعتقادي كصحفي واكب أنشطته بأنه مجرد وزير تولى حقائب وزارية في بلد يحمل أكثر من 436 منهم صفة وزير !!!
اقريني ولد امينوه
.gif)





.gif)