إعلان

تابعنا على فيسبوك

كلمة حق في حق مكوّنة البيظان

سبت, 12/09/2026 - 11:45

في زمن أصبح فيه الحديث عن المكونات والهويات كثيرا ما يُستعمل لتأجيج الخلاف بدل إنارة الحقيقة، يصبح الإنصاف موقفا أخلاقيا قبل أن يكون مجرد رأي. والإنصاف الحقيقي يقتضي أن نعترف لكل مكون من مكونات هذا الوطن بما قدمه، وأن نقرأ تاريخ موريتانيا بعين هادئة، لا بعين الخصومة والحسابات الضيقة.
ومن هذا المنطلق، أرى أنه من الواجب أن تُقال كلمة واضحة وصريحة في حق مكوّنة البيظان، هذه المكوّنة العربية العريقة التي كان لها حضور عميق في تاريخ موريتانيا وحاضرها ومستقبلها، وفي الدفاع عن أرضها وصيانة هويتها.
ليس من الموضوعية أن نتجاهل ما قدمه أبناء البيظان في مراحل مختلفة من تاريخ البلاد. فقد عرف تاريخ هذه البلاد رجالا حملوا السلاح دفاعًا عن الأرض والكرامة، وخاضوا معارك وتحمّلوا مشاقا وتضحيات تركت أثرا لا يمكن محوه من الذاكرة الوطنية.
ومن هذه البيئة خرج علماء حملوا رسالة العلم إلى آفاق بعيدة، وفقهاء ومشايخ عُرفت مجالسهم في أقطار مختلفة، ورجال علم وثقافة جعلوا من اسم موريتانيا حاضرا في فضاءات علمية وفكرية لم تكن لتُعرف البلاد لولا جهودهم.
لقد كان العالم الموريتاني في أزمنة مختلفة سفيرا لوطنه دون أن يحمل جواز سفر دبلوماسيا؛ يحمل علمه معه، وينشره حيث حل، فيعرف الناس من خلاله بلدا بعيدا اسمه موريتانيا.
ثم جاء زمن الدولة الحديثة، فبرز سفراء ودبلوماسيون ومثقفون وسياسيون وتجار ورجال أعمال، أسهموا كل من موقعه في بناء علاقات موريتانيا بالعالم، وفي ترسيخ حضورها الخارجي، وفي فتح أبواب جديدة أمام هذا البلد الصغير مساحة وسكانا، لكنه كان أكبر بكثير من حجمه الجغرافي في بعض المجالات العلمية والثقافية.
ولا ينبغي كذلك أن نغفل ما قدمته أجيال من أبناء البيظان من مال وجهد ووقت في مراحل مختلفة من بناء الدولة والمجتمع. فالأوطان لا تُبنى فقط بالقرارات الرسمية والمشاريع الحكومية، وإنما تبنى بتضحيات الناس، وبما يقدمونه من إمكانات وخبرات، وبالعمل اليومي الصامت الذي لا يجد دائما طريقه إلى كتب التاريخ.
والقول بهذا كله ليس انحيازا ضد أحد، ولا محاولة لمنح مكونة امتيازا على حساب أخرى.
بل إن العكس.
فأنا أؤمن بأن الاعتراف بمساهمة مكوّنة لا يعني إنكار مساهمة المكونات الأخرى. والاحتفاء بتاريخ البيظان لا ينبغي أن يكون على حساب تاريخ أي مكون موريتاني آخر. إنما المشكلة تبدأ حين يتحول الاعتراف إلى تهمة، وحين يصبح الحديث عن تضحيات جماعة وكأنه جريمة تستوجب الاعتذار.
الأخطر من ذلك هو أن تنشأ قراءات متطرفة للتاريخ تحاول أن تنتقي منه ما يناسبها، فتُضخم الأخطاء، وتتجاهل الإنجازات، وتنكر التضحيات، وتتعامل مع التاريخ وكأنه ساحة لمعركة معاصرة.
فلا توجد مكوّنة كاملة بلا أخطاء، كما لا توجد مكوّنة يمكن اختزال تاريخها كله في أخطائها. وكل مجتمع يحمل في ماضيه صفحات مشرقة وأخرى تحتاج إلى نقد ومراجعة. لكن العدالة تقتضي أن نرى الصورة كاملة، وأن نضع الأشياء في سياقها، وأن نمنح الفضل لمن يستحقه، وننتقد الخطأ حيث وجد، دون أن يتحول النقد إلى كراهية جماعية.
لحبوس ولد سالم كاتب صحفي ومدون وحقوقي فاعل سياسي رئيس تيار المعتدلين الداعم لفخامة رئيس الجمهورية