إعلان

 

تابعنا على فيسبوك

ليبيا.. من سيعلن عن الأزمة الاقتصادية؟ ومن سيتحمل المسؤولية؟

أحد, 30/11/2025 - 22:41

نحن نقترب سريعا من لحظة إعلان الأزمة الاقتصادية، سواء من المصرف المركزي أو من أحد الطرفين: الدبيبة أو حفتر، وكل طرف يستعد لحرب إعلامية تُحمِّل الآخر مسؤولية تردي الأوضاع، لكن الحقيقة أبعد بكثير من خطابات الاتهام.

الأزمة لم تظهر فجأة، فجذورها تمتد إلى سنوات أبعد، ربما منذ أول إغلاق للموانئ النفطية، ثم مع بدء الإنفاق الموازي في الشرق والاعتماد على الدين العام لتمويل حكومة مكلفة من مجلس النواب. ومع مرور الوقت تعمّق الانقسام المؤسسي، وواصل الإنفاق تضخمه إلى أن وصل لمستوى تجاوز قدرة الإيرادات على تغطيته. ما نعيشه اليوم هو حصيلة تراكمات طويلة، لا نتيجة لحدث طارئ في عام 2022

وفي المقابل، هناك مبالغة إيجابية في تصوير الوضع المالي خلال السنوات الماضية وكأنه مستقر وقابل للاستمرار. الحقيقة أن الاستقرار كان سطحيًا، قائمًا على تأجيل المشكلات وليس حلّها.
حديثنا عن الإنفاق ليس رفضا لفكرة التوزيع العادل للثروة. على العكس، هذا المطلب رفعه الليبيون منذ 2011، لكن النخب السياسية لعبت به لمصالحها. الإشكال الحقيقي هو في أن إجمالي الإنفاق لدى الحكومتين أعلى من إجمالي الإيرادات، ما أدى إلى عجز مزدوج:

عجز في ميزان المدفوعات
وعجز في الميزانية العامة

والأخطر أن هذا الإنفاق يتم على أبواب لا يمكن تقليصها بسهولة: المرتبات، التسييرية، والدعم… وهي بنود تمس كل الليبيين في كل المدن.

ولا يمكن اختزال المشكلة في الإنفاق من الجهتين فقط، فحتى الإنفاق الحكومي لا يخضع لرقابة فعلية. الموازنات تُصرف دون أدوات واضحة للتدقيق، ودون جهة رقابية مستقلة قادرة على مراجعة الأبواب والالتزامات والتعاقدات.

هذا يعني أن أزمة الإنفاق لا تتعلق بتعدد الحكومات فقط، بل بغياب الرقابة على المال العام أينما كان. فالإنفاق غير المنضبط – حتى لو صدر من جهة -معترف بها- يراكم الديون نفسها ويقود إلى العجز نفسه، ويساهم في إضعاف قدرة الدولة على إدارة مواردها

من الناحية العملية، المصرف المركزي لا يملك سلطة رقابية كاملة على الإنفاق العام. هذا جعل الإنفاق السياسي واقعا مفروضا، لا يمكن ضبطه ولا توجيهه.
وفي ظل هذا التشظي، تغيب المعلومات الدقيقة عن مصير الإيرادات النفطية. ما يصل فعليا إلى المصرف الخارجي ثم إلى المركزي يقدَّر بحوالي ثلثين فقط، فيما يختفي ثلث (7 مليارات دولار) خارج أي إطار شفاف أو معلن.

التدهور الخطير في قطاع النفط نفسه لا يُناقش بالقدر المطلوب، فهناك تدخل مباشر من الأطراف السياسية في إدارة القطاع: تأسيس شركات محلية مثل أركنو وأخرى في الطريق، تعيينات بالجملة، وارتفاع تكلفة إنتاج البرميل إلى أكثر من الضعف مقارنة بالإدارة السابقة. ويزداد حجم الخلل عندما نضع في الاعتبار أن الدولة خصصت 56 مليار دينار (نحو 10.5 مليار دولار) للمؤسسة الوطنية للنفط بهدف تطوير البنية التحتية ورفع الإنتاج إلى مليون برميل يوميًا بحلول نهاية 2025، ومع ذلك لم يشهد الإنتاج أي زيادة حتى الآن.

إن هذا الانحراف داخل القطاع الوحيد المغذّي للدولة، مقرونًا بضخامة الإنفاق وضعف النتائج، يجعل الأزمة المالية أقرب بكثير مما يتصور الكثيرون
لماذا نتوقع انفجار الأزمة الآن؟ لأن الثقة بين الأطراف السياسية وصلت إلى مستوى هشّ غير مسبوق. ليست المشكلة فقط بين الشرق والغرب، بل بين الطرفين الأساسيين اللذين يتحكمان في مفاصل القرار.
وعندما تتآكل الثقة، وتختفي الشفافية، ويتضاعف الإنفاق، ويتراجع النفط سياسيًا وإداريًا… فإن الإعلان الرسمي عن الأزمة يصبح مجرد مسألة وقت.

الأزمة ليست حدثا مفاجئا، بل نتيجة مسار طويل من الإنفاق الموازي، وفقدان الرقابة، والعبث بقطاع النفط، وغياب الشفافية.
وإذا لم يتحرك الرأي العام اليوم للمطالبة بوضوح الحسابات والمسؤوليات، فإن الكلفة غدًا ستكون على كل بيت ليبي… بلا استثناء.

أنس الفيتوري