وارسو الجديد.. قوة التوهم في مواجهة ثبات المعتقد

ثلاثاء, 19/02/2019 - 10:02

انعقد في وارسو في الاسبوع الثاني من شباط الجاري قمة ضمت 50 دولة . وقد سبق التحضير لهذه القمة نقاش امتد على مدى أسابيع، تناول أهداف هذا المؤتمر وجدول أعماله من قبل الإدارة الأمريكية بصفتها الدولة الداعية لهذا المؤتمر، وسعت لفرضه على الدول المشاركة وخلاصته: «توحيد جهد هذه الدول في مواجهة إيران باعتبارها - تشكل الخطر الرئيسي على الاستقرار في الشرق الأوسط -» هو ما يتطلب من وجهة النظر الأمريكية تجاوز كل الخلافات وتوجيهها باتجاه هذا الهدف. إلا أن الإدارة الأمريكية اكتشفت أن سياستها هذه لم تلق قبولاً لها من أقرب حلفائها ولاسيما الأوروبيين منهم على وجه الخصوص. وهو ما اضطرها لتغيير الأهداف المعلنة لهذا المؤتمر وبحيث أصبحت – موجهة إلى قضايا وأزمات الشرق الاوسط -. وكانت محاولة لعدم إثارة غضب غالبية الدول المشاركة وضمان مشاركتهم في المؤتمر.

ومع بدء وصول الوفود المشاركة بات موقف الولايات المتحدة محرجاً بدرجة كبيرة بغياب وزراء خارجية فرنسا والمانيا والاتحاد الأوروبي، رغم أن الاجتماع محدد لوزراء خارجية الدول المشاركة، وليس أقل من ذلك. واتضح ومنذ اللحظة الأولى وحتى قبل بدء جلسات المؤتمر عدم رضا غالبية المشاركين أو موافقتهم على المسار الذي تريد الإدارة الأمريكية دفعهم إليه. وأظهرت المواقف والتصريحات الألمانية والفرنسية وكذلك الدولة المضيفة – بولندا- وهي الحليف الأبرز للولايات المتحدة في أوروبا الشرقية عدم اتفاقها مع الولايات المتحدة في سياساتها حيال إيران وأزمات الشرق الأوسط عموماً. ولخصت الخارجية الالمانية الموقف الأوروبي بالقول: «صحيح أننا نختلف مع إيران بعدد من القضايا، ولكن الرد لا يكون عبر إلغاء الاتفاق النووي، وانما عبر الحوار على كل القضايا المختلف عليها». وفعلاً يمكن القول «إن المؤتمر انتهى قبل أن يبدأ عبر فشل الولايات المتحدة في فرض أجندتها على أعمال المؤتمر».

وهكذا انصرفت أعمال المؤتمر في جلها إلى لقاءات ثنائية خارج المؤتمر في مسعى لإنجازات ما، تعوض الفشل الذريع لأهداف الولايات المتحدة المتمثلة في توحيد صفوف المؤتمرين  في إطار هدف واحد وخطر واحد متمثل في – ايران -. وأن ماعدا ذلك من قضايا لاسيما منها قضية الصراع العربي – الصهيوني لم تعد من الأخطار التي تهدد الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن حضور ومشاركة عدد من الدول العربية وجلوسها على طاولة واحدة مع العدو – الكيان الصهيوني- كفيل بإثبات وجهة النظر الأمريكية. ودون التقليل من أهمية هذا الأمر والذي تسعى دول كالسعودية والامارات والبحرين وقطر لتسويقه والأذى الذي يمكن أن تلحقه بالقضية الفلسطينية حقوقاً وأرضاً وشعباً، وكذلك ببقية الدول العربية التي لازالت لديها أراض محتلة، وهم يمدون يد التطبيع السخية والمليئة بالأمنيات بأن يتضلل الصهيوني بحماية العروش العربية المهتزة، بسبب ما فعلته، وتفعله في جسد الأمة العربية.

وفي محاولة لجعل تطبيع العلاقات مع دولة العدو قضية عادية وسياسات عادية، وتسعى لتسويق أن الخطر الاكبر على المنطقة يتأتى من ايران وليس من الكيان الصهيوني. وأعتقد جازمة أن أهم وأخطر ما جرى في (وارسو) وبعمل وتنسيق أمريكي مشترك هي  تلك المحاولات لتسويق التطبيع العربي مع العدو الصهيوني  وتعميمه. ومرة أخرى ورغم الأضرار الشديدة التي يمكن أن تلحقها هذه السياسات بالقضية الفلسطينية إلا أنه علينا أن لا ننسى أن تلك الدول لا تفعل شيئاً بالأساس لدعم النضال والمقاومة الفلسطينية في القدس وغزة والضفة الفلسطينية، أو في الجولان وما تبقى من أرض محتلة في لبنان، لا دعماً مادياً أو سياسياً باستثناء بعض المواقف اللفظية التي لا تقدم ولا تؤخر.

عدا ما سبق نؤكد أيضاً رفض الدول المشاركة اعتبار روسيا عدواً، وقد صرح وزير الخارجية الألماني بذلك دون لبس، وكذلك رفضهم للسياسة الأمريكية الأحادية تجاه سوريا واليمن.

إن الموضوع الجوهري أيضاً في مؤتمر (وارسو) ونتائجه والذي يمكن تلمسه هو عزلة السياسة الأمريكية في غالبية القضايا المطروحة على جدول أعمال الدول الكبرى والعظمى. ورغم استمرار كونها لازالت القوة الأكبر والأعظم، إلا أنها لم تعد القوة الوحيدة والمقررة. وإن واقع تعدد الأقطاب يبرز كل يوم بشكل أكثر وضوحاً لاسيما على الصعيدين الدولي والإقليمي. ولم تعد أمريكا قدراً لا يمكن تجاوزه. حتى السلطة الفلسطينية بما لها وعليها رفضت حضور المؤتمر رغماً عن كل التهديدات والإجراءات الأمريكية بحقها. وقد يكون رئيس وزراء العدو الصهيوني هو الربح الأكبر في (وارسو) أقله على المدى القصير حيث سيوظف نتائج المؤتمر لتسويق نفسه وتجنب محاكمته بتهم الفساد كي يحقق نتائج أفضل في الانتخابات الصهيونية في الشهر القادم، ولكن حتى هذا لازال مضموناً.

أخيراً لابد من أن نؤكد على ضرورة اليقظة والانتباه لمخرجات (وارسو) بغض النظر عن قيمتها وأهميتها، ليس من جهة تأكيد رفضها ومواجهتها فقط، بل أيضاً عبر استثمار واقع صراع الأقطاب وبما يخدم مصالحنا القومية والوطنية والحفاظ على سيادة بلداننا، وبناء التحالفات التي تؤكد وتخدم مصالحنا الوطنية والقومية، وتأكيد حقوق شعوبنا في المقاومة وبكل الأشكال لاستعادة أراضينا المحتلة وتأمين حل عادل للقضية الفلسطينية. ومدركين أن هذه الاصطفافات العربية والخارجية منها على وجه الخصوص ليس لها أفق يمكنها من الاستمرار وهي محكومة بتناقضات وصراعات داخلية محلية، نقيضاً لمصالح شعوبها الوطنية والقومية. وأن مدخل ذلك كله التصدي لما بات يسمى صفقة العصر السيئة ولاسيما من مدخلها الفلسطيني، وهو ما يتطلب دعم وحدة الصف الفلسطيني الرسمي والشعبي ودعم المقاومة الفلسطينية والارتقاء بها، وصيانتها عبر التحالفات العربية والإقليمية والدولية، والإصرار على التأكيد على أولوية الصراع مع المشروع الصهيوني وباعتباره الأساس والمرتكز للتصدي للهجمة الترامبية المسعورة وحليفها الصهيوني. وباعتبارها الأساس الوحيد لضمان استقرار المنطقة والمدخل الرئيس لإعادة بناء النظام العربي الجديد الحر المستقل والسيد. والحفاظ على موارده وتنمية شعوبه وبلدانه.

هي معركة صعبة ولكن الشوط الذي قطعناه على طريق النصر ليس بقليل بدءً من سوريا ولبنان واليمن، وما هو مطلوب هو تعزيز هذا المسار وتوسيع دائرته وتكريس هذه الانتصارات والمحافظة عليها والبناء عليها، في مواجهة (وارسو) وغيرها من المؤتمرات والسياسات التي تسعى لحرف بوصلة النضال الوطني العربي وجره لمواقع وتحالفات لا تخدم سوى المصالح والسياسات الامريكية والصهيونية، وهو أمر متاح وممكن ولا سبيل لنا غيره لبناء أوطاننا حرة مستقلة الإرادة في تقرير مصائرها وتنمية بلدانها.

بقلم مي أحمد شهاب