بيرام: أسطورة " العبد" الذي يبيع جسده ح2

أربعاء, 24/10/2018 - 11:16

لم يعرف بيرام في حياته العبودية ولا ينحدر من أصول عانت من ممارستها تاريخيا. ينتمي من جهة أعمامه إلى إحدى أعرق القبائل العربية في موريتانيا والتي أسست عبر التاريخ أقوى الإمارات وامتدت على جغرافية ولايتين على الأقل ، تنسب لها الأنفة والكرم والشجاعة والشهامة، ومن جهة أخواله ينتمي إلى إحدى أكبر القبائل العربية في منطقة " أمشتيل".

لم يعرف بيرام طيلة حياته واقع الرق إلا في الفترة التي كان يتسكع في مقرات الحزب الجمهوري يعد الشاي ويتفانى في تحمية الجماهير ويعتدي بالضرب على مناضلي حقوق الإنسان المناوئين للنظام وحزبه. لم يتذمر أبدا من تلك المعاناة والإهانات المتكررة، لكنه كشف لاحقا لبعض مقربيه أنه استشاط في داخله لكثرة ما أضمر من الحقد على الناس وعلى المجتمع. وكأنه في حديث دائم مع نفسه:  ولدت حرا فاستعبدت نفسي.

قبل تجربة هدر الكرامة في الحزب الجمهوري لم يعرف لبيرام أي اهتمام بالسياسة. خلال مراهقته وجزء كبير من شبابه كان همه الوحيد الظهور في أناقة عالية والسعي للخلوة بفتاة تستقبله في ضواحي نواكشوط أو روصو وتعد له الشاي وتشنف مسامعه بقسط من هول البيظان الموغل في رومانسية بطولات الإمارات، وتعامله معاملة أحفاد الأمراء.

كان من الصعب على الفتى القادم من معاناة وفاقة السطارة توفير المال ليصرف على لياليه الحمراء. تأثر كثيرا باتساع فاقته في العاصمة نواكشوط، وما فتئ أن أصيب بطريقة مفاجئة بمرض الصرع " لكرينة" والذي اقتنع أهله أنه مس من جن فبادروا بجمع ديته من بعض الاقارب ونقلوه إلى شيخ روحي في منطقة الترارزة حيث مكث تسعة أشهر مقيدا بالحديد يتلقى علاجا بالأعشاب إضافة إلى محاولة إخراج الروح الجنية من جسده.

تعافى بيرام مع تفاوت فترات صرعه، ولازال يستعمل الحبوب المهدئة بعد كل نوبة صرع.

فشلت " افلام" التي كانت على اتصال بسفارة إسرائيل في بوركينا فاسو، في منتصف الثمانينات من إقناع القيادات الشبابية من الحراطين بالإلتحاق بنضالهم الانفصالي والعنصري ضد الدولة والمجتمع في موريتانيا.

 

رغم ذلك لم يهادن قادة "الحر" لحظة واحدة المجتمع التقليدي ولا السلطة، لكنهم كانوا يعتبرون في الاجتماعات السرية لتنظيمهم  آنذاك محاولات اختراق " افلام" لصفوفهم من أخطر ما يهدد نضالهم من أجل الحرية، خصوصا أن علاقات "افلام" آنذاك بالأوساط الصهيونية كانت الطبقة السياسية على اطلاع بها دون الوقوف على تفاصيلها. 

ضف إلى ذلك أن " البولار" الذين تتشكل منهم حركة " افلام" يعتبرون الحرطاني في هرم قيمهم الإجتماعية  " .." ، و ليس من فصائل المجتمع الآدمي ويكفي للتعبير عن احتقار أحدهم لشخص بوصفه ب " ماتوبي: Mathioubé" أي العبد  بالبولارية.

اعتبر الموساد الذي يشغل بيرام منذ  افتتاح سفارة لإسرائيل في موريتانيا، أنه ربما يكون " حصان" المرحلة خصوصا أن " افلام" ستتلقى الأوامر بدعمه وتبنيه وتسخير شبكاتها في الداخل والخارج لإطلاق المشروع الجديد ومحاولة تجاوز نخبة الحراطين وقياداتها التاريخية وسحب البساط من تحتها وتجنيد نشطاء على المستوى الشعبي ليحل نضال " افلام" محل محاربة العبودية ومخلفاتها في أوساط الحراطين وتستغل ورقة اللون ضد وحدة الأغلبية العربية في موريتانيا وتتحول الأمور إلى صراع من أجل السلطة بين البيض والسود طرفه " افلام" ووقوده جزء من الأغلبية العربية.

وقد ترتب عن هذا الاختراق سلسلة استقالات وانسحابات على مستوى القيادات الشبابية لحركة IRA بعد وقوفهم على حقيقة الاختراق وحجم المؤامرة، كان من أبرزهم السعد ولد لوليد وإبراهيم ولد بلال واعل ولد رافع يعقوب ولد يرعاه عبيد ولد إميجن المهدي ولد لمرابط وآخرون.

كان الموساد في سباق مع الزمن لتقديم بيرام كزعيم حقوقي وبطل قومي في أوساط حقوق الانسان. 

جاب العالم في سنواته الأولى على نفقات السفارة الإسرائيلية في السنغال التي ورثت تسيير ملفات ومخبري سفارة نواكشوط.

أوكلت مهمة مرافقة بيرام للمخرجة السينمائية الإسرائيلية نوريت آفيف التي تتقن العربية والفرنسية وتعمل لصالح الموساد على مستوى أوروبا خصوصا فرنسا وإيطاليا وألمانيا، حيث أقامت لاحقا علاقات شخصية وحميمية مع بيرام كما تعودت أن تفعل مع من تباشر الإشراف على تشغيله.

 

طارت نوريت عفيف رفقة بيرام في نوفمبر 2010 من باريس في اتجاه Dublin للمشاركة في مهرجان حقوقي للشذوذ والمثليين Fontline Defenders، حيث قدمته للمنظمين والمشاركين وتمكنت من برمجة مداخلة له خاطب فيها النافذين في عالم الاعلام والحقوق من المثليين في أوروبا. 

بعد محاكمة علنية للدولة والمجتمع في موريتانيا أمام صفوة المثليين خلص بيرام إلى تقديم أسلوب وهوية نضاله في موريتانيا  ومطالبا بدعم فكرة التدخل العسكري قائلا " إن الكفاح المسلح يجد مبررا له كضرورة حتمية حيث يصبح واجب التدخل في الشأن الداخلي مجرد إجراء بسيط".

كان بيرام خلال جولته الأوروبية في المهرجانات والملتقيات الصهيونية يدعي أنه يدافع عن كرامة الحراطين الذين " يمنعون دخول المدن" في موريتانيا و " يحظر على أبنائهم التسجيل في المدارس العمومية" و " يمنعون من التداوي والعلاج في المستشفيات العمومية" وأنهم يسكنون الريف حيث " تعتبر تجمعاتهم أسواقا مفتوحة للنخاسة يتداولهم فيها الأسياد من البيظان بيعا وشراء".

وفي دجمبر من العام 2011 منحت المنظمة الصهيونية Fondation Pour La Mémoire De La Shoah التي يوجد مقرها في باريس لبيرام جائزة في حفل نظم في ألمانيا "ذاكرة المحرقة"   بلغت قيمتها  150 ألف يورو على " جهوده في إحداث العصيان المدني في موريتانيا" حسب بيان المنظمة. 

وقد شاركت في الحفل أهم أذرع الموساد في الحقل الحقوقي من منظمات صهيونية ساهمت بشكل كبير في تقسيم السودان واختراق بعض الدول الإفريقية لصالح مشاريع إسرائيل التطبيعية.