الأخطاء الستة للحركة الإسلامية: إشكالية الديني والسياسي في الفكر الإسلامي

جمعة, 14/09/2018 - 09:35

الأخطاء الستة للحركة الإسلامية بالمغرب : انحراف استصنامي في الفكر والممارسة، عنوان كتاب أصدره الدكتور الراحل فريد الأنصاري في - ابريل 2007 م - وهو أستاذ جامعي متخصص في أصول الفقه، كان يشغل رئاسة المجلس العلمي بمكناس، ووظائف أكاديمية أخرى، عضو سابق في المكتب التنفيذي لحركة "التوحيد والإصلاح المغربية" و في مجلس شوراها، وجمعها العام، فضلا عن كونه مشرفا سابقا على العمل الطلابي ، استقال من الحركة الإسلامية سنة 2000.، يقول عنه الدكتور المصطفى تاج الدين : " شاعر مجيد وعقل متوثب وتدين لا يخفى وذكاء حاد تلمحه فيه من دون أن يتحدث، مع شخصية ميالة إلى المهادنة المؤقتة ثم الانقضاض المتوثب".

يعتمد الكاتب في أسلوبه على ما أسماه " الصدمة التفقهية" و بتعبير مصطفى بوكرن " على النفس المباغت صادما كل قارئ يعشش في ذهنه الركود و الجمود [لأن] الجمود الفكري و النكوص التأملي و التطبيع الوجداني مع ماجرت به العادة يحتاج في بعض الأحيان ، إلى رجات قوية توقظ الغافل من غفلته و توجه المتحمس برشد و بصيرة" ، ولا يبعد أن يكون "كتاب الأخطاء" ردا – لا شعوريا - على الكتاب الذي أصدرته "حركة التوحيد والإصلاح المغربية" بعنوان "عشر سنوات من التوحيد والإصلاح" تمتد من 1996 إلى 2006، تأليف النائب البرلماني محمد يتيم وآخرون، أشادوا فيه بخصوصيات حركتهم المتميزة عن تجارب الحركات الإسلامية الأخرى، كفكرة العمل بالتخصصات، الذي أطلق لديهم – كما يرون - حرية المبادرة في ميدان العمل الإسلامي بعيدا عن رقابة الحركة الصارمة، وانطلاقها في العمل السياسي على هدى المقاصد الشرعية التي حولتها إلى "دليل للعمل السياسي تقرأ به الواقع والمستقبل وتزن به المصالح والمفاسد وتقدم وتؤخر الأولويات، وتقيم الموازنات في كل مجال من مجالات عملها خاصة السياسي".

لا يحدث الكتاب لدى القارئ صدمة عنيفة فحسب بل إنه يولد لديه قلقا فكريا مؤرقا – خاصة إذا كان من المنتسبين إلى الحركات الإسلامية - حول مدى شرعية الأحزاب الإٌسلامية، لما تقتضيه طبيعة الصراع السياسي من خطط تكتيكية، و مناورات انتخابية، وحيل دعائية، واستغراق في الهموم الدنيوية اليومية ، وهو ما قد يشغل الحركة الإسلامية عن وظيفتها الجوهرية من تحويل قضية " تجديد الدين" من عمل فردي يقوم به شخص موهوب لا يبرز للوجود إلا بعد مضي قرن وبداية قرن آخر، إلى عمل جماعي تتولاه مؤسسة تملك خطة إستراتيجية متكاملة قوامها منهج علمي رصين، و برامج عملية دقيقة، ووسائل مادية وبشرية قادرة على تغطية كل التخصصات، وتلبية جميع الاحتياجات بما يضمن بروز جيل مستوعب لمقاصد الشريعة الإسلامية، والعلوم العصرية، وسنن التغيير الاجتماعي، ومقتضيات الواقع المعاصر، مؤهل للإسهام الفاعل في الحضارة الإنسانية، ودعوة الناس إلى دين الله ، بدل الاستغراق في معاداة العقل الإبداعي، والاجتهاد الحر، والتميز الإيجابي، بقوانين جامدة وهياكل تنظيمية فارغة، تجشع الأفراد على المذلة والخنوع، و" التقليد الأعمى" و " المريدية القاتلة".

لقد اضطرت حركة " التوحيد والإصلاح المغربية" - وهي أكثر الحركات الإسلامية في المغرب العربي عامة، قدرة على الاطلاع بوظيفة تجديد الدين وجدارة بقيادة العمل الإسلامي في ميدان الفقه والفكر والدعوة والحركة بعد أن قصف الدكتور فريد معاقلها بعنف، منتزعا منها أقوى سلاح تمتلكه " الشرعية الإسلامية" - إلى الاستنجاد بالفقيه الأصولي الدكتور أحمد الريسوني – الذي كان بمكة - عله يصد الهجوم الذي لا يبقي ولا يذر فكتب خمس حلقات في الرد أحسب أنها لم تكن كافية لصد الهجوم أو تحصين الدفاعات؛ ووددت لو أن الدكتور الريسوني لم يضن بعلمه الغزير و قلمه المتميز عن نقاش مقاصد الكاتب الحقيقية وما أثاره من شبهات حول قضايا أساسية : - مسار العمل الإسلامي - الشورى والديمقراطية - التربية والعمل التربوي- الحزب والعمل السياسي- التنظيم الفطري و التنظيم الميكانيكي - أسبابِ بعض التغيرات الاجتماعية- بدل التركيز على ما أسماه "الكبائر المنهجية في الكتاب"؛ لأنها – في الغالب - فروع جزئية للأولى؛ و شطط في اللفظ أ و خطأ في الاستشهاد بالنص القرآني أملته حاجة التصوير البلاغي، و غلب فيها الكاتبَ خياله الشعري، وحماسه الدعوي، و نزعته الصوفية على صرامة منهجه الأصولي.

يقول الدكتور أحمد الريسوني في الحلقة الأولى من رده :"حينما قرأت في مقدمة الأستاذ فريد قوله : " فهذه رسالة في نقد العمل الإسلامي بالمغرب، وليس في نقضه " سررت بهذا الكلام المطََمْئن، وبعد ما قرأت الكتاب... قلت : فعلا الكتاب لا يمكن أن يكون في نقض العمل الإسلامي، لأنه قد حكم عليه بالموت والهلاك والبوار، والمنقوض لا ينقض" وقال في الحلقة الخامسة والأخيرة عن الدكتور الأنصاري إنه " لم يألُ جهدا لإلحاق المؤمنين– يقصد أبناء الحركة الإسلامية - بالكافرين وإنجاز''وحدة اندماجية'' بينهم ... إلى أن يقول " لا يستطيع أحد أن يقول إن المؤلف يكفر المسلمين أو يعتبرهم منافقين، لكنَّ المؤكد أن تشبيهاته المتكررة، وإلحاحه على تسجيل المطابقة والمماثلة بين المُشَبَّهين والمشبه بهم، تجعلنا في المحصلة النهائية، أمام أشباه كافرين وأشباه منافقين وأشباه مرتدين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم " !!

فقد كان حريا بالدكتور الريسوني وهو يقرر خطورة الأحكام التي أصدرها الدكتور فريد الأنصاري في حق الحركة الإسلامية أن يناقش الموضوع نقاشا علميا أكثر شمولية وتأصيلا، خاصة وأن فقه " السياسة الشرعية" لما تتضح معالمه، وما يجوز فيه من توسع في "الرخص الشرعية"، و أخذ بــــ" فقه الضرورة"، " وهل يقبل الفكر السياسي الإسلامي " البركماتية" أسلوبا في التعاطي مع الأحداث، و هل تعد مصالح الجماعة - بمعناها الضيق - من المصالح الكلية المعتبرة شرعا، وما هو حكم " المنتخَب" إذا تعارضت مصالح من انتخبوه وهو وكيل عنهم، مع مصالح الحركة الإسلامية التي ينتمي إليها، وهل يجوز المجتهد الذي أوصله اجتهاده الشرعي إلى موقف مخالف لرأي الحركة أن يكتم الحق الذي أداه إليه اجتهاده، و يقلد الحركة حفاظا على وحدتها مخالفا ما أجمع عليه العلماء، وهل ينطبق ذلك على المسلم المنتمي إلى حركة إسلامية إن بان له أن موقفها لم يؤسس على اجتهاد فقهي، ولا اعتبار شرعي، وأن قيادتها بيد أشخاص لا حظ لهم من الاجتهاد ولو كان جزئيا.

الكتاب - في نظري - لبنة مهمة في صرح مشروع النقد الذاتي، ناقش فيه المؤلف عددا من الإشكاليات المنهجية في الدعوة والسياسة والحركة، و كشف عددا من الانحرافات التصورية والعقدية التي لا تختص بالحركة الإسلامية في المغرب، وإنما تشترك معها فيها أكثر الحركات الإسلامية في العالم العربي؛ وإن كان الأنصاري كما قال كاتب مغربي :" لم يسبق لي أن صادفت تداخلا بين انفعالية شاعريته – يقصد الأنصاري - و عقلانية أصوليته إلا في كتابالأخطاء. إن شعره هذه المرة جاء نثرا و هجاء، لو شحذ كل خصوم الحركة الإسلامية جميعأسلحتهم ، لما وجدوا سلاحا أفضل من هذا المنشور الذي يقدم حملة المشروع الرساليلخصومهم على طبق من ذهب" و" هو – كما يقول المصطفى تاج الدين – "مفيد لكي ينزع المغاربة القداسة عن أهل السياسة، ومهم للعدالة والتنمية ومفيد لأنه سيحتم على الحزب إقناع المغاربة بالبرامج لا بالأيديولوجيا الدينية" لأن النقد الذاتي منهج بناء وتحصين للنفس، يسعى إلى استجلاء معالم التقصير وأسباب القصور ، ومحاصرة الانحراف بشتى أنواعه حتى لا ينتقل من استثناء يقع فلتة إلى قاعدة تستمد شرعيتها من الدين ذاته، وحرمان الأشخاص - غير الأنبياء مهما بلغت منزلتهم – من ادعاء العصمة لآرائهم، وإضفاء القداسة على أعمالهم حتى يبعدوا عن أنفسهم احتمال الخطأ، أو التعرض للنقد والمساءلة، يقول الأستاذ جواد النتشة بهذا الخصوص :" وما لم تسمح نفوسنا بالدراسة الناقدة لعملنا وفكرنا البشريين؛ فإن ذلك تعبير عن إحساس بالعصمة لمسلكنا البشري كامن في نفوسنا، رغم أنه لا أحد يدعي العصمة، فليكن السلوك تجاه النقد إذن متلاقيا مع عدم ادعاء العصمة " وتبقى المشكلة أن المرء قد تحاصره أفكاره ومعتقداته من كل اتجاه، حتى تحول بينه وبين إدراك الحقيقة كما هي في نفس الأمر، لا كما يتصورها هو في إدراكه الذاتي، خاصة و أن المنتسبين إلى " جماعة ضيقة" كثيرا ما تتشكل عقولهم وفق رؤى جاهزة وأحكام مسبقة يستقونها من مرجعيتهم المغلقة دون روية أو تفكير ، وإنما إعجابا بزعمائهم الذين لا يسأمون من تكرار تلك الرؤى والأحكام، على الأتباع حتى تترسخ في أذهانهم، ثم يبدأ الأتباع في إعادة تكرارها، حتى تصبح اعتقادا راسخا، ثم يتحول الاعتقاد إلى جدران سميكة تحجب عنهم نور الحقيقة الساطع، ليتمادوا في أسر تصوراتهم الخاطئة، ظانين أنهم على الحق مغترين بتزكية بعضهم بعضا، مع أنهم نسخ طبق الأصل: " الزعيم أو القيادة الجماعية"، والنسخة إذا كانت طبق الأصل لا تزيده قوة، كما لا يزيد الظل صاحبَه كثرة .

من هنا كان لزاما علينا أن نتفق على معايير نحتكم إليها في مجال النقد الذاتي للعمل الإسلامي، بدل أن تعتبر كل جماعة موازينها الفكرية هي الفيصل الذي يجب الاحتكام إليه، فليس فكر "الإخوان المسلمين" ميزانا يصلح أن تقوم به تجارب الحركات الإسلامية الأخرى، ولا منهج السلفية أو الحركات الجهادية فيصلا للتفرقة بين الحق والباطل، بل لا بد من مرجعية أسمى يتفق عليها الجميع، و فق منهج علمي يحتكم إلى الحقائق كما هي في الخارج لا كما نتصورها نحن في أذهاننا، وأن نسعى إلى وقف الصراع حول تصوراتنا الذهنية، أو اجتهادنا الظني، واختيارنا لأحد الآراء الفقهية في مسألة خلافية.

 

بين يدي الكتاب:

يقول الأنصاري " فهذه رسالة في نقد العمل الإسلامي بالمغرب، وليس في نقضه نصدرها اليوم بهدف الإسهام في الإصلاح الضروري لمنهجه ومحاولة التقويم الداخلي لما اعوج من خطوه، ورد ما انحرف من قوله وفعله، غير ناقضين لأصله ولا منكرين لفضله ذلك أن النقد للدعوة الإسلامية ضروري، كضرورة النار لتصفية الذهب،! ص 5 وتحدث عن العلماء المسلمين الذين ألفوا في نقد العلم والعلماء كابن الجوزي في" تلبيس إبليس" والذهبي في نقد مذاهب الفقه والفقهاء في كتابه " زغل العلم والطلب" والشيخ زروق في نقد الصوفية، وهو من أجل شيوخهم إلى أن يقول: " وقد أحاطت بالعمل الإسلامي من ذلك – يقصد الفتن – أدخنة وأمواج شطت به ذات اليمين وذات الشمال فكثر المتساقطون من صفه، وانحرف السير كلية ببعض أجنحته، وجماعاته، بسبب ما اعترضه من مرض " الاستصنام" وهو داء عضال " ص 6 واستدل على ذلك بتاريخ الحركة الإسلامية في المغرب، حيث يقول : " كانت طليعة الحركة الإسلامية مساحة خضراء.. كما كانت فضاء ربانيا جميلا فيها تعقد مجالس الروح وحلق الإيمان لتغذية القلب وصقل العقل، مجالس تصل القلوب بالسماء فيها يتنفس الشباب المؤمن ويرسم أحلامه ويبني مدينته الفاضلة....على منهج الأنبياء والصديقين واستمر الأمر إلى أن نمت الأجسام الحركية، وتطورت الأشكال التنظيمية فكان الابتلاء الذي خسرت فيه الحركة الإسلامية كثيرا،" ص 8 -9 : وقد اعتذر في مقدمته عن أسلوبه القاسي بقوله:" فعلى هذا السياق كتبنا رسالتنا هذه، ولذلك ربما كان فيها- ببعض المواطن- شدة، لكنها شدة على قدر ما وقفنا عليه في جسمها العليل من الداء، "ص:11.

قصف فكري مركز:

يبدأ الكاتب القصف المركز على معاقل الحركة الإسلامية بالمغرب بجميع أطيافها من قمتها إلى قاعدتها، فوصمها بالفشل والإفلاس إسلاميا وسياسيا، مؤكدا أن أخطاءها وصلت إلى حد الانحراف التصوري والسلوكي، يقول:" تعيش الحركة الإسلامية بالمغرب – كما في بعض الأقطار الأخرى - أزمة حقيقية ترجع بالدرجة الأولى إلى كونها صارت عاجزة عن أداء وظيفتها الحقيقية والقيام برسالتها الربانية التي كانت هي مبرر وجودها " ص 16 ويضيف: " إنها في خياراتها قد وقعت في نوع من "الشرك الخفي"...."وذلك ما أسميناه ب"الأصنام المنهجي" ص 16 والدليل علة ذلك أنها صارت تحمل بذور فشلها وتنتج نقيض هدفها :" وبدل أن تنتج الحركة الإسلامية-هذه المرة المؤمنين الربانين بمحاضنها الخضراء؟ بدأت تفرخ عقارب خضراء، اندست بخضرتها المموهة في خضرة العمل الإسلامي فكان الإسلاميون أنفسهم هم أول من تعرض للسعاتها السامة. " (ص. 10) من هنا جاء كتابه: "... لكشف خطورة العقارب الخضراء في العمل الإسلامي وما ألحقته من ضرر، وما تزال على الدين وأهله" (ص. 14).

الأستصنام المنهجي

يستدل الكاتب على دعواه هذه بأن الحركة الإسلامية: " قد وقعت في نوع من "الشرك الخفي"....وذلك أنها في بعض خياراتها الإستراتيجية الكبرى صارت إلى ضرب من الانحراف عقرها عن السير في طريقها الأصيلوأدى بأشكالها التنظيمية ذاتها إلى أن تصير حجبا لها عن النظر في مقاصد " إقامة الدين" ذلك المقصد الكلي الذي رفعته شعارا لها من يوم ولادتها .. .. حتى رسخت أشكالها في الواقع رسوخا حولها – في ذهنها – من رتبة الصواب إلى رتبة الحق فصدها ذلك من مجرد وضع السؤال - الضروري لكل فعل بشري – عن مدى صوابية خطواتها"...."وذلك ما أسميناه ب"الأصنام المنهجية"أو"الاستصنام المنهجي" إذا أنها بما بلغته من إشكال التقديس لاختياراتها والتنزيه لتصوراتها وجعلها فوق النظر النقدي والمراجعة الحقيقية، لصورة شعورية أو لا شعورية قد جعلها "تستصنم" أخطاءها بالفعل، فانتصبت أوثانا معنوية بعقلها ووجدانها وجعلت تصدها عن الإدراك السليم والسير القويم، ولا خلاص لها إلا بــ "صدمة صرح" تخرجها من أوهامها وتحطم الأصنام المنتصبة في مخيلتها وتهدم الأسوار الحاجبة لها عن مشاهدتها " ص 16- 18

و لكلام المؤلف في هذه المسألة قدر كبير من الصواب بالنسبة إلى بعض الحركات الإسلامية، ولا أدل على ذلك من فكرة "التبني" لدى حزب التحرير التي يحتجون لها كما ورد في " الدوسة" أنه : " لو أباح الحزب تعدد الآراء فيه لقضى على وحدته الفكرية والكيانية ولأصبح الحزب أجنحة وأحزابا، ولتعددت طريقته ولأصبحت الصراعات الداخلية فيه هي التي تسيطر عليه فبدلا من أن يعمل لتحقيق فكرته يتحول إلى التصارع بين أجنحته" وبنوا على ذلك منع أعضائهم من دعوة الناس إلى غير أفكارهم "المتبناة" ولم يجعلوا حدودا فاصلة بين اجتهادهم الفقهي [ ومنه جواز تقبيل المرأة الأجنبية حسب فتواهم ] وبين الأحكام الإسلامية القطعية، فحرموا أنفسهم من بركة الاجتهاد، وأبناءهم من نتائج الفكر الإبداعي المتحرر، بمصادرة الاجتهاد الذي هو مفتاح كل خير باسم وحدة التنظيم، ولو كانت هذه الرؤية صائبة لما أجاز الشارع الاجتهاد من أصله حتى لا تضيع وحدة الأمة بسبب تعدد اجتهاد علمائها.

و قد بني الدكتور فريد الأنصاري على هذا الاستنتاج " الاستصنام المنهجي" الأخطاء الستة المنهجية الكبرى التي يرى أن الحركة الإسلامية بالمغرب قد وقعت فيها، وهي:

1 - استصنام الخيار الحزبي.

2 - استصنام الخيار النقابي.

3 - استصنام الشخصانية المزاجية.

4 - استصنام التنظيم الميكانيكي.

5 - استصنام العقلية المطيعية.

6 - استصنام المذهبية الحنبلية في التيار السلفي.

وقد ذكر بأن هذه الأمور ليست أصناما في حد ذاتها ولكن طريقة تعامل الإسلاميين معها من تقديس لها وانبهار بها هو الذي جعلها أصناما معنوية بالفعل

1 - استصنام الخيار الحزبي

يقصد الكاتب بــ" استصنام الخيار الحزبي " تضخيم الجانب السياسي على الجانب التربوي الدعوي، حتى إن الدعوة أصبحت خادمة للسياسية، يقول في هذا الصدد :" لن أكون مبالغا إذا قلت إن اتخاذ حزب سياسي كان أكبر خطيئة وقعت فيها الحركة الإسلامية بالمغرب، لقد صار الإسلاميون يشتغلون في الشك، وقد كانوا - من قبل - يشتغلون في اليقين! وكانوا إلى الإخلاص في الأعمال أقرب، ثم صاروا إلى خلط مبين! فانتقلوا بذلك من مقاصد العبادات إلى مقاصد العادات، ألهاهم التلميع والتسميع، وانخرط كثير منهم في الحزب على حرف، تماما كـ {من يعبد الله علَى حرف فإن أصابه خير اطمأن بِه وإن أصابته فتنة انقَلَب علَى وجهِه خسر الدنيا والآخرة ذَلك هو الخسران المبِين}، إن اتخاذ "الحزب" في العمل الإسلامي هو أشبه ما يكون بـ "اتخاذ العجل" في قصة بني إسرائيل" ص 22-23 إلى أن يقول : " لقد كان الحزب فتنة حقيقية للإسلاميين كما كان العجل فتنة لبني إسرائيل وللذهب بريق مادي فتان" ص 25 وهو ما ألمح إلى نتائجه في مقدمته عندما قال:" "ظهرت فكرة التخصصات في العمل الإسلامي على جميع المستويات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والإعلامية والنقابية والسياسية، وانطلقت الحركة الإسلامية تقسم ميراثها على أبنائها في حياتها! ولكن النتيجة أن كل التخصصات ماتت إلا التخصص السياسي! هو وحده نما وتضخم، واحتل كل المساحات الأخرى وصدق رسول الله – صلى الله عليه وسلم – " فقد ولدت الأمة ربتها "!"(ص. 9). حيث يعتبر أن الحركة ولدت الحزب ثم صار الحزب صاحب السيطرة والكلمة الفصل، ومن مظاهر فتنتهم - لديه- انشغالهم بهموم الناس الدنيوية فقط، وجعلهم - بعد ذلك - لهمومهم الشخصية من تلك الهموم حظا، و" تدافع الهم الشخصي مع الهم العام، فتكون الغلبة لهذا تارة ولذلك تارة أخرى... فانخرطوا بذلك في بناء خطاب مادي بالدرجة الأولى يحلل الأزمات الاقتصادية ومشكلات البطالة، والرد السياسي على الهجوم الإلهائي، الذي يصدر عن بعض متعصبي اليهود والنصارى، أو عن بعض زنادقة المسلمين، فيُخرِجون المظاهرات، وينظمون المسيرات، ثم يئوبون في المساء إلى مواقعهم سالمين، مطمئنين إلى أنهم قد أنجزوا من "النضال" ما يشفع لهم عند الله يوم القيامة ونسوا القضية الكبرى قضية الإنسان مع خالقه ومصيره في آخرته" ص 26

وبدلا من أن يكون "حزب العدالة والتنمية " لبنة نجاح تنضاف إلى رصيد " حركة التوحيد والإصلاح" فإنه – حسب الكاتب– كان نذير شؤم عليها: " :" لقد كانت حركة التوحيد والإصلاح في بداية عهدها عبارة عن مدارس شتى ، تربوية ودعوية ، وفكرية ، وعلمية ، وسياسية ...الخ. ولكن قاطرة الحزب السياسي تفردت بالجر فتناثر حولها كل شيء " ص102 وهذا ما جعل الكاتب يقرر بشكل قاطع أن " حركة التوحيد والإصلاح" قد وقعت إعلان وفاتها بنفسها قائلا: " لقد كان يوم إعلان اتخاذ حزب سياسي واجهة للعمل الإسلامي بالمغرب هو يوم إعلان وفاة الحركة الدعوية، وبداية العد العكسي المنحدر نحو نهاية '' أطروحة العمل الإسلامي'' بشموليته الكلية، وهويته الإسلامية!". (ص24)

متى يجوز إنشاء حزب إسلامي

الجواب لدى الكاتب أن:" اتخاذ حزب سياسي للعمل الإسلامي مبدئيا إنما يصلح عندما تكون ظروف العمل الإسلامي – باعتباره منظومة دعوية تجديدية شاملة - غير ممكنة في البيئة أو متعذرة، وبشرط أن تكون إمكانات العمل السياسي غير مؤدية إلى نتائج عكسية على مستوى الدين والتدين، ولقد علم في قواعد أصول الفقه أن كل أصل فرع عاد على أصله بالإبطال فهو باطل" ص 31 وقال : " لقد كان بإمكان الحركة الإسلامية بالمغرب أن تصل إلى أفض النتائج السياسية – دون أن تتخذ لها حزبا – لو أنها اشتغلت كقوة دينية دعوية، حاضرة برجالها وأفكارها، في كل ميدان منتشرة في كل قطاع... كان بإمكانها أن تجعل بعض الأحزاب السياسية الأخرى تنخرط في تطبيق الممكن من برامجها السياسية، دون أن تنزلق هي إلى شرك الاستهلاك التجزيئي لقوتها، ولكن بعد زمن يمكنها من إنضاج تأثيرها السياسي غير المباشر في الهيئات والمؤسسات، لكن عقدتها كامنة في أنها تنظر غي عملها إلى الممكن وغير الممكن في اللحظة الآنية فقط" ص 31 -32

واقع الدعوة والتربية الإيمانية في ظل الحزب الإسلامي

يرى الكاتب في هذا المجال أنه بعد قيام حزب العدالة والتنمية تراجعت الدعوة الإسلامية وإن كان: " الناظر إلى عجيج السياسة وضجيج الصحافة، يظن أن العمل الإسلامي في المغرب اليوم - من حيث هو جماعات تنظيمية - بخير وعلى خير، وأنه على مواقع متقدمةفي معركته الحضارية الشاملة، لكن الحقيقة أنه تخلف عما كان عليه من قبل كثيرا، وفشل فشلا ذريعا في الحفاظ على مواقعه الإستراتيجية التي كان قد استصلحها بمنهجه التربوي وخطابه الدعوي الشعبي والأكاديمي، فكانت له مجالات حيوية منها ينطلق وإليها يعود، إنه اليوم قد فقدها كلية وخرج منها مطرودا مدحورا، فصارت ظهوره عارية مكشوفة لأعدائه الإيديولوجيين، تلفحها سياطهم على الهواء، حتى انهارت صفوفه دون مقاصده الأصيلة، قد أثخنته خناجر الأهواء والأعداء جراحا بليغة" ص 10-11 والدليل على ذلك – في رأيه – هو الواقع حيث "انسحبت التربية الإيمانية الدافئة من مجالس الإخوان، لصالح التربية السياسية القارسة! ثم انتصبت مرايا الأهواء والشهوات أمام الشباب، فتساقطً الفراشٌ على اللهيب !". (ص 10 ـ 11) ويؤكد ذلك مرة أخرى فيقول:" انهار العمل التربوي والدعوي بصورة رهيبة، ... حتى انهارت الحركة تماما ! وأخلت مكانها لصالح الحزب السياسي". (ص34) ويعيد ذلك إلى سبب واحد هو تضخم " الأولويات السياسية – على المستوى التصوري - لدى جماعة العدل والإحسان ، إلى درجة التخريف والهذيان ، وتضخم العمل الحزبي – على مستوى الممارسة - لدى " حركة التوحيد والإصلاح" وانتفخ انتفاخا سرطانيا فآل أمر الجماعتين معا إلى أن صارا وجهين لعملة واحدة" ص 11 ويصف شبيبة التوحيد والإصلاح في المرحلة السياسية قائلا '' وبرزت أنصاب الكراسي من بعيد فانجرفت شبيبة الحركة الإسلامية نحو الحزب السياسي انجرافا! ... وباتت المواقع الدعوية في البلاد أفرغ من فؤاد أم موسى! ... وانطلق غول الفجور السياسي من عقاله يخرب البلاد ويهتك الأعراض! فكان دين الشبيبة الإسلامية هو أول ما تعرض للفساد! .'' ص38، أما حال الدعوة والتربية والتكوين - حسب الكاتب – فقد" "صارت اللجان المختصة بها لا تجد مخاطبا في الحركة ولا خارج الحركة ، إذ لم تعد لها القدرة النفسية على مخاطبة العموم بشيء من ذلك ، فآلت ملفاتها إلى رفوف الإهمال ..فلا دعوة – بعد في الحركة – ولا تربية ولا تكوين" ص :94- 95. وقال بأن غياب التربية أدى إلى فساد دين بعض العاملين في الصف الإسلام، و أبقت على البرامج التربوية حبرا على ورق بسبب انهماكها في العمل السياسي يقول: "والذي لا شك فيه أن الورقات المنهجية والتصورية التي أنجزتها حركة التوحيد والإصلاح لا غبار عليها ولا إشكال على الإجمال وإنما المشكلة أنها بقيت مع الأسف بلا تفصيل حقيقي، وتعاملت معها قيادة الحركة وأطرها بأسلوب "الحملات" لا بمنهج العمل المدرسي الثابت، الذي هو وحده منهج الدعوة والتربية والتكوين والبناء ، وفي ظل ذلك صار العمل السياسي للأفراد هو الأصل وصار العمل الدعوي هو التابع". ص 106

تهم خطيرة للإسلاميين

يتهم ا الأنصار الإسلاميين بتهم خطيرة، ماحقة للدين محبطة للمثوبة عند الله - مع أنه صرح بترك تفاصيل أدق تتعلق بالأشخاص بأعيانهم‘ إلا من صار رأسا في الفتن ورمزا من رموز الدجل ص 14 - فهم في رأيه يتصفون بــ:

* - الانحراف وضعف التدين يقول الكاتب : " وارتمى الشباب في مجاري العمل السياسي العفن، فانتقضت الطهارة ، وتنجَّسَ العمل! وتورطت الطاقات في الخلافات القبلية وزادتها تأجيجا واشتعالا، وقد كانوا إلى عهدقريب هم أهل الصلاح والإصلاح، إليهم المفزع عند أي نزاع، فصاروا طرفا في كل شيء، وبدل أن يكونوا مرجعا لحل الإشكال صاروا جزءا من الإشكال ...'' ( ص 113 ثم '' تسيس العمل الإسلامي بالإقليم المحافظ فبدأ دين ''الدعاة'' هناك يلين - على اصطلاح المحدثين - وبدأ الانحراف السلوكي والتصوري ينخر القلوبوالأجسام! رجالا ونساء؛ بما لم يخطر قط بالبال أن يقع مثله بين أولئك القوم، ... لقد خسر العمل الإسلامي في الجنوب السجلماسي ما لم يخسره في أي منطقة أخرى، لقد خسر الإنسان ! والإنسان هو أغلى ما ينتجه الإقليم على الإطلاق ! ... فما وجدتُ لضياع العمل التربوي هناك مَثَلا أدق مما أورد الله تعالى في حق مملكة سبأ { لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَساكَنِهِمْ آَيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ}. كذلك كان والله المستعان !"ص 113 / 114

* - عدم إخلاص النية لله ، إذ يقول " لقد كان بإمكان الحركة الإسلامية أن تكون ما أرادت ، لو أنها أرادت وجه الله حقيقة " ص32

* - التهاون في الصلاة المفروضة حيث يقول: " فلا بركة في حركة تثير النقع في وغى السياسات، وتشعل الخطبالنارية في نوادي النقابات، وأصحابها لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى".ص (33) ثم تجتاحه فورة غضب عارمة فيطلقها مدوية: " ألا فتعساً لهم ولما يعبدون من دون الله! " ص 80.

والحقيقة أن الأنصاري – هنا - قد استبد به الغضب فعمم في موضع التخصيص، وأطلق في مكان التقييد، وأجمل في مقام التفصيل، وأخذ البريء بجريرة المذنب، ناقضا ما قرره في مقدمته من أن بالحركة بقية خير، حيث يقول : " وما يزال كثير من العاملين في صفوفها من الصالحين المتقين بل ربما وجدتَ منهم أحيانا بعض الأولياء الربانيين الحقيقيين" ص 12 ولئن كان من الممكن حمل كلمة "كسالى" في كلامه على التهاون بالصلاة وهو أمر تمكن معرفته بقرائن الأحوال، فإن التسور على نيات المؤمنين متعذر بل هو خطأ منهجي جسيم. ، خاصة وأن الكاتب ما فتئ يبدئ ويعيد في وصف الحركة الإسلامية المغربية بأوصاف ذات دلالة كثيفة على " الانحراف العقدي" بشكل واضح تارة، وإيحائي تارة أخرى : " الشرك الخفي" " ما يعبدون من دون الله! " " الأصنام المنهجية " الاستصنام" " الأوثان" " الطواغيت" " الحجب الشركية" "اتخاذ العجل " السامري" "فساد الدين" " لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى" " لو أنها أرادت وجه الله حقيقة" " انتقاض الطهارة" " تنجس العمل" " " الفجور السياسي" وهو ما يعني أن هذا الانحراف – الذي يتهمهم به - ليس مجرد خطأ في السلوك يمكن تقويمه وإصلاحه، وإنما هو انحراف عقدي لا يجدي معه إلا العودة إلى الإسلام من جديد، وأن أحكامه قاسية وألفاظه نابية لا تترك مجالا للجنوح إلى السلم، فطريقة النصح، وحتى " النقد الذاتي العنيف" تستلزم إبقاء مجال للآخر كي يصحح مساره، ويستدرك أخطاءه ليعود إلى رشده شاكرا للناصح الأمين.

* - تزكية الانتهازيين والتصويت على قوانين محاصرة الدعوة

يرى الأنصار أن حزب العدالة والتنمية تورط في قرارات قاتلة منها : " تزكية الحزب لبعض الانتهازيين المحسوبين على الحركة، ثم تزكيته لبعض الوصوليين ممن لا علاقة لهم بها أصلا ، لا انتماء ولا تربية ، أما ثالثة الأثافي لإحراق ما تبقي له من المصداقية فهي تصويته المخزي ، لتمرير بعض القوانين الظالمة التي صارت من أول يومها سوطا رهيبا في يد الاستئصاليين ، يجلدون به ظهور الدعاة هنا وهناك ، ويغلقون به مدارس القران ، ويحاصرون المساجد ، ويرهبون به كل من نادى بحقوق الله ، ولو كان الفريق البرلماني فريقا مبدئيا حقا لامتنع عن التصويت على مثل تلك المخزيات ..ولو أدى ذلك إلى الاستقالة الجماعية أو حتى إلى حل الحزب كله ، ولن تقع السماء على الأرض بعد ذلك ..كلا.. ولن تسقط للمساجد صوامع ولا قباب ، فقضية الدين بالمغرب أرسخ من أن ترتبط بوجود حزب أو أوهام جماعة ، بل هي محفوظة بالله أولا، ولو وضعنا إنجازات الحزب في كفة – إن كانت له انجازات – ثم وضعنا خطيئة التصويت على حصار الدعوة، لكفى بسواد هذه أن يغمر كل بياض ".. ص102 – 103 ويعزي هذا السلوك إلى ضمور الجانب التربوي مما فتح الباب واسعا لبروز جيل انتهازي في صفوف الحركة الإسلامية حيث : " ظهر المتسلقون والانتهازيون في الصف الإسلامي أيضا ووصل بعضهم إلى مواقع الصدارة فعلا فبدأ العمل التربوي يتلاشى، وينهار شيئا فشيئا... حتى انهارت الحركة تماما! وأخلت مكانها لصالح الحزب السياسي، وإن بقيت هياكلها الشكلية قائمة لكنها أشباح بلا أرواح..." ص. 34 .

* - فقه الانحلال والإسلاميات المتبرجات! ! ! ! ! !

يتحدث الأنصاري عما كانت عليه بنات الحركة الإسلامية من حشمة ووقار في بداية الدعوة وما آلت إليه حالهن فيقول:" كما كشف لباس كثير من " المحجبات" عما تحته من فتنة وغواية " ص 35 ثم أضاف " أما اليوم، فقد نبت جيل مشوه من هذا المسمى بـ''الأخوات'' ! .. محجبات تبرجن بـ''حجابهن'' أشد من تبرج السافرات بعريهن وإذا خاطبن الشباب سمرن فيهم أعينا خائنات، وتصنعن في أصواتهن أنغاما زائدة، ! .... تقترب منك إحداهن لحاجة فتكاد تدهسك بصدرها " ص39 ويقول بأنه طرح هذه القضية في مقر الحركة في بداية – ما يسميه تيار الفجور السياسي فردت عليه زعيمة أستاذة ووجهها يكاد يسيل من الطلاء والدهون وقالت بما يشبه الانتهار " أو قل إنهن تقدمن " وقال ساخرا : " إنه تقدم انطلق من فقه "الانحلال" من هنا يطرح تساؤلا منطقيا قائلا " فبأي وجه تخاطب الحركة الإسلامية الناس اليوم إذا هي كذبت في خطابها كما يكذب السياسيون، وفجرت في خصامها كما يفجر النقابيون؟ ثم انحلت في أخلاقها كما ينحل الشهوانيون؟". (ص40)

إسلاميون عملاء للاستعمار

يقول الكاتب أن الإسلاميين بسبب ضعف التربية وتضخم الأنا انتشرت فيهم الفرقة إلى درجة أن بعضهم امتهن العمالة، يقول : "ومنهم من ارتمى في أحضان جهات مشبوهة تمتد خيوطها الخفية خارج الوطن، فانخرط في مشروعها الاستعماري، يكتب لها التقارير وينجز لها البحوث، فتخرب باسمه ما لم تستطع أن تخربه باسمها " ص. 73 إلى أن يقول " وانتشرت رائحة العمالة والخيانة والزندقة – بمعناها الإيديولوجي – من تحت ثياب رموز كانوا إلى عهد قريب، أطرا في الحركات الإسلامية أو قادة في قطاعها الطلابي" ص 74.

* أن "بعض العاملين في الصف الإسلامي لا يحسن صلاته ولا وضوءه" ص 30

ثم يحكم الكاتب على تجربة حزب العدالة والتنمية المغربي بالفشل الذريع اعتمادا على المعايير التالية:

- الفهم التصوري للدين : إذ تضخم التصور السياسي للدين، وضمر موقع العبادات ص 32

- المستوى التربوي و الدعوي . انهار هذا المستوى، وضعفت مقاصد التعبد بسبب بروز المغانم

- مستوى الأمانة الأخلاقية ؛ فهي الضحية الأولى التي ذبحت عند قدمي الصنم السياسي" ص 35. وضرب على ذلك ما يقوم بع بعض الإسلاميين من مناورات وحيل من أجل الترشح على رأس اللائحة ولو من السلم الخلفي كما" يصل اللص عبر السراديب المظلمة إلى أماكن المجوهرات ثم يزعم أنه يمثل صوت الإسلام في البلدية أو في البرلمان " ص 37

2 - استصنام الخيار النقابي

يرى الدكتور الأنصاري أن الحركة الإسلامية :" دخلت التجربة النقابية بلا ترو، ولا تأصيل، فقامرت برصيدها الأخلاقي والديني، بخوض غمار عمل ما يزال مشبعا بلغة الصراع الطبقي، والمقولات الماركسية في الفكر الاقتصادي، والنظريات الاشتراكية في قضايا العمل والعمال فشاركت في إدارة " ميكانيزم" سياسي بالدرجة الأولى متأثرة بديكتاتورية البلوريتاريا وفكرة نزع الملكية الخاصة فاشتغلت بعيدا عن منطق الإسلام القائم على بناء عقود العمل على المبدأ الإسلامي الكلي العظيم " لا ضرر ولا ضرار" .. ومارست حق الإضراب دون تفقه بنوازله ولا تأصيل لأحكامه" ص 41 ومن ثم يذكر أنها " تورطت في تأجيج إضرابات عن العمل - على طريقة التنظيمات الماركسية والأحزاب الانتهازية - للضغط السياسي على إدارات معينة، من أجل تمرير ملفات أخرى لا علاقة لها بمصالح العمل والعمال، لا من قريب ولا من بعيد، فأسهمت بذلك - من حيث تدري أو لا تدري - في تربية أبناء الحركة على الكذب والخداع، وسوء الأخلاق في المناظرة والحوار، وما كان ينبغي أن نسابق اليسار نحو الهاوية.." ص 42

الطلاب الإسلاميون يتبنون الخطاب اليساري

ثم يتهم الحركة الطلابية التابع للحركة الإسلامية" بقوله : " وهكذا ولدت الحركة الطلابية الإسلامية لأم متدينة وأب ماركسي لينيني فكانت نتاجا غير شرعي لأسوأ زواج عرفه التاريخ؟ ولذلك انطلقت تُبَغِّل في مشيها تَبْغيلا وانخرطت في معارك ضد العلم وضد الأخلاق فخسرت مصداقيتها عند الطلبة والأساتذة والإدارة الجامعية والناس أجمعين وكان الإسلام هو الضحية"ص: 43، وقال بأنه عايش مرحلة الطلبة الماركسيين في الجامعة وفترة الطلبة الإسلاميين فلم يجد بينهما فرقا منهجيا إلا أن الإسلاميين يبدؤون خطبهم باسم الله ص 43-44

ويصف الجناح الطلابي لجماعة العدل والإحسان - التي يرأسها الشيخ عبد السلام ياسين - بقوله بأنه متأثر بالخطاب الماركسي خطابا وممارسة:" "وانطلق الفصيل ''الياسيني'' في الجامعة المغربية مثل ريح عاد: { تُدَمِّرُ كُلَّشَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا } مشتغلا بالأسلوب الماركسي في النضال الطلابي، فبرَّز في سوء الأدب، وتفنن في خرق الحياء وأعطى النموذج المثالي بسلوكه الفج عن انحطاط الأخلاق" ص45- 46.

الإسلاميون والمتاجرة بمآسي إخوانهم

يتهم الكاتب الإسلاميين بأنهم لا يتورعون من ركوب قضايا الأمة الإسلامية بانتهازية واستغلال قضايا دولية تهم المسلمين جمعيا لحساباتهم الخاص – كاستشهاد الشيخ أحمد ياسين ؛ والمظالم التي يتعرض لها المسلمون في العالم- غير آبهين بما تقتضيه مصلحة الأمة، ويتهم من يسميهم " الياسينيين" في هذا الصدد بانحطاط الأخلاق وممارسة العنف الثوري على الطلاب وإخراجهم من المدرجات وقاعات الدروس خدمة لمصلحة الجماعة التي لا علاقة لها بمصالح الطلبة.

ثم يوجه انتقادات لاذعة إلى فلسفة الجماعة في مجال التخصص الدقيق، الذي من شأنه أن يسد حاجات الأمة في مجالات ضرورية بدل شغل الطلبة بأمور تصرفهم عن التحصيل العلمي الجاد، وإغفال ضرورة تفريغ بعض الطلبة للتضلع في العلوم الشرعية والتفقه في الدين، بدل الاشتغال في النضال السياسي مما نجم عنه انتشار الجهل و الفكر الخرافي والغثائي بين الطلبة الإسلاميين، ويأسف لأنه لم ير في حياته مظاهرة طلابية ضد تدني التحصيل العلمي، يقول " كان المفروض في العمل الطلابي أن يفرغ أهل التخصصات الشرعية للتحقق بوصف العالمية الحقة، بدراسة معمقة والتفقه في الدين لتخريج أجيال من العلماء لا كننا لا نرى من المتخرجين إلا طوابير من الجهلة بعلوم الدين" ص 55-56 ويرجع ذلك إلى أسباب عديدة من بينها أن الطلبة المتفوقين دراسيا لا يسجلون في هذه التخصصات أصلا

3 – استصنام الشخصانية المزاجية في الحركة الإسلامية

يرجع الكاتب ما أسماه "استصنام الشخصانية المزاجية" إلى غياب القيادات العلمية الرسالية والربانية الحكيمة، وتصدي الزعامات اللاعلمية لقيادة العمل الإسلامي، وذلك على المستوى العالي والمتوسط من الهرم الإداري؛"مما أدى إلى استصنام شخصاني لتلك القيادات وإلى رسم معالم السير الحركي بناء على مزاجها لا بناء على قواعد العلم وأولوياته الشرعية والحركة الإسلامية اليوم بالمغرب رازحة تحت سلطان شخصية "المثقف" أو شخصية "التكنوقراطي" خالية من العلم وأهله إلا قليلا؛ فإذا وجدوا فعلى مستويات لا تؤهلهم لقيادة العمل الإسلامي علميا وإداريا فيخضعون هم أيضا بصفة إرادية لشخصانية القيادات المزاجية " ص 60 وأضاف بأن الشخص : "لا يكون عالما إلا بتفرغ تخصصي وتوجه دراسي رسمي أو غير رسمي، ثم احتراف منهجي لما تخصص فيه وتخرج به، حتى يحصل صفة العالمية بما هي ملكة وصناعة ... فالعلم دراسة وخبرة .... إننا لا نعرف من الحركات الإسلامية البارزة في الساحة المغربية اليوم حركة يقودها علماء حقيقيون "ص:61، وهو ما يتضح من خلال : "كرونولوجيا الإنسان الدراسية، وسيرته العلمية بين العلماء وطلبة العلم، وكذا خبرته الاحترافية للصناعة العلمية، بحثا في صلبه، وتدريسا لكتبه، وتكوينا لطلبته، واجتهادا في إشكالاته، ثم إفتاء في نوازله كل ذلك كفيل بكشف مدى استحقاقه لصفة "العالمية" إما صحة وإما بطلانا "ص:62. وهذا ما أدى بها – حسب الكاتب – إلى " الوقوع في مستنقع الضلالات العقدية والانحرافات السلوكية والانجراف وراء الأهواء والبدع والبناء على مرجعية لا شرعية" ص 62

وقد تعرض في هذا الصدد إلى رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام أو اليقظة وإلى المكاشفات ليرد على حركة "العدل والإحسان" التي تُعتبر هذه المسألة مرتكزا أساسيا في منهاجه التربوي.

وقال بأن " مشكلة القيادة التكونقراطية فهي أنها تعاني من غياب الإمامة العلمية ذات النظر الفقهي في تقدير المآلات الدعوية" إلى أن يضيف أن القيادة التكنوقراطية " أقل تعرضا للانحراف المزاجي من القيادة الثقافية بسبب الغرور الذي يصحب المثقف غالبا والعجب الذي يتلبس به في ذاته" ص 71 وبين في هذا السياق أن اللجان التربوية والتأطيرية التي تنشئها الحركة الإسلامية سوف يبقى مآلها الفشل ما لم تكن بيد علماء ربانيين.

وتحدث عن ما سببه غياب القيادة العالمة من انحراف خلق حيث تضخمنت الأنا بنوعيها؛ يقول الكاتب: "تضخمت الأنا التنظيمية في الجماعات ثم تضخمت بداخلها "الأنا الفردية" وتمجدت الذوات، و بسبب ذلك لم تنقطع حركة التمرد الفكري بهذه الحركة أو تلك، وحالات الشرود التربوي والتشوه الخلقي، وإنشاء الأحلاف المعاكسة، والجيوب المرضية، والتيارات الشاذة داخل البناء التنظيمي للحركات الإسلامية" ص 72

وهنا أحب أن أسجل انطباعا وهو أن حركة التوحيد والإصلاح المغربية ليست خالية من علماء ربانيين مستجمعين للشروط التي وضعها المؤلف- في تقديري - غير أن الإشكال يكمن فيما إذا كانوا في موضع صناعة قرارها، والإسهام في رسم سياساتها وتحديد مواقفها، أم أنهم لا يشغلون سوى وظائف ثانوية – كما ألمع هو إلى ذلك- لا أثر لها في مسار الحركة وتوجهها، وهل تخضع القيادة السياسية للمرجعية الفقهية أم أن الفقهاء هم الذين يسايرون التوجهات السياسية كما يفهم من كلام الكاتب.

4 - استصنام التنظيمي الميكانيكي

يعرف الكاتب "استصنام التنظيمي الميكانيكي: الذي ابتليت به الحركة الإسلامية بذلك: " الأسلوب الإداري التنظيمي الذي يعتمد البناء الهرمي العمودي في إدارة العمل وتسييره، حيث تتركب هياكل بعضها على بعض على سبيل التحكم الميكانيكي بين قطعها، فلا يتحرك الأدنى إلا بحركة الأعلى، والعكس غير صحيح. (ص 75. وقال بأن حسن البنا هو أول من صنع ذلك ثم ندم عليه في آخر حياته بعدما وقف على خطورته، و"انفلتت القيادة من بين يديه وانخرط ما سمي بالتنظيم الخاص في سلسلة من الاغتيالات أدي بالجماعة إلى فتن ومصائب" ص 73

وقد تسبب ذلك في بروز ظاهرتين في العمل الإسلامي هما:

استصنام الأنا الجماعي لأن التنظيم الميكانيكي – على رأي الكاتب - " يعاني من مشكلة التقوقع الحزبي بما يشكل لديه فضاء داخليا مختنقا ، لا يتيح للمنتسبين إليه أن يتنفسوا خارجه، فالدوران الآلي للهياكل التنظيمية يجعل العمل كله يتحرك داخل دائرة مغلقة واحدة لا تسمح بالإبداع ولا التطور الداخلي مما يربي في الأفراد تضخم الشعور بــ"الأنا الجماعي" - بالمعنى الحزبي الضيق – الذي هو وسيلة للشعور بــ "الأنا الفردي" ومن هنا يصير التنظيم وسيلة لا شعورية لبناء وهم " الجماعة الإسلامية الكبرى" المتعالية عن الخطأ ... فينموا في شعورهم بأنهم هم الأصل وأن على غيرهم أن يكونوا لهم تبعا" ص 76. وهو ما أدى إلى حلول الجماعة الضيقة حسب المؤلف - محل الأمة الإسلامية، وإلى اعتبار تصرفات الجماعة حق، و بياناتها حق، وكل استنباط شرعي خالفها باطلو"أجهزتهم الحزبية هي المقياس للحق وليس الحق مقياسا لها" ص 77

- " استصنام الهوى الديمقراطي" حيث مجدت الحركة الإسلامية الديمقراطية، وتخرجت الأجيال الجديدة منهم تتقن كل ألاعيبها وحيلها ومناوراتها" فتسلل بعض سفهائهم – بديمقراطية – إلى مواقع قيادة ومناصب ريادية؛ فأوردوا الحركة موارد الهلاك" ص 79، ليخلص إلى أن " مشكلة لحركة الإسلامية الديمقراطية ذات التنظيم الميكانيكي، أنها وضعت الديمقراطية بآلياتها في غير موضعها، فانتخبت رجالها بأصوات عوامها، لوظائف الشورى، ووظائف التشريع الدعوي، والتوجيه المنهجي الإسلامي، بشروط الديمقراطية لا بشروط شرع الله، فتقدم دهاة السفهاء وتوقف حكماء الفقهاء .. ثم يقول ساخرا " ومن يدري . فلعلها غدا تنتخب إمام الصلاة لمحرابها، فتأتم بالأمكر الأشقى، لا بالأقرأ الأتقى، أم أنها تفرق بين هذا وذك كما فرق أهل الردة بين الصلاة والزكاة. كيف والأمر كله دين؟" ص80 وهو يجيز للحركة الإسلامية أن تقتبس من الديمقراطية لكن بشرط أن يوضع ذلك في موضعه وألا يناقض شريعة الإسلام.

يقترح الدكتور فريد " التنظيم الفطري" بديلا للتنظيم الميكانيكي، ويقول بأنه : " تنظيم خال من المراتب والألقاب، ولا مجال فيه للأحلاف والأقطاب، ولا مكان لبناء التماثيل والأنصاب، يقدم الأقوام دينا والأكفأ خبرة، ثم تسند الاختصاصات إلى أهلها... يقدم العلماء الرساليون يساندهم الخبراء الربانيون، في دائرة واحدة، أو مربع واحد، لا أهرام فيه ولا مناصب، ولا مغانم ولا مكاسب" ص 81

5 – استصنام العقلية المطيعية

يقول الكاتب في تعريف العقلية المطيعية: " نقصد بالعقلية المطيعية ذلك المنهج الحركي القائم على أسلوب المناورة والخداع، في التعاطي للشأن الإسلامي من الناحية التنظيمية والإدارية، وهي صفة منسوبة إلى الأستاذ عبد الكريم مطيع، المؤسس الرئيس والقائد الأول لحركة الشبيبة الإسلامية، التي تأسست في المغرب في أوائل السبعينات، وكان للنظريات اليسارية التي تأثر بها الأستاذ مطيع – باعتباره قياديا سابقا في أحد الأحزاب الاشتراكية – أكبر الأثر في طبع منهجه الحركي، لهذا الأسلوب الخطير المناقض للثوابت الشرعية في الدين". ص 83.

وقد أدت هذه العقلية – في رأي الكاتب - إلى رفض بعض أطر حركة التوحيد والإصلاح لإستراتيجية الفصل بين الحركة والحزب" حزب العدالة والتنمية"، ومنع ازدواج العضوية فيهما: " فقد عمد رؤوس التيار السياسي لخلط الأوراق، والجمع بين كل المهام، فصارت الحركة والحزب في الواقع وجهين لعملة واحدة، وصارت الدعوة خادمة للسياسة، والعكس غير صحيح" ص 94.

ويتحدث عن طبيعة هذه العقلية من خلال تجربة عاشها مع " حركة التوحيد والإصلاح " فيقول : " وما زلت أذكر بعض مجالس الشورى التي وضعت. في الأصل لجمع آراء ذوي العقول والأحلام، كيف كانت تشكل فرقا وأحلافا، وتترس ببعض زوايا مقر الحركة لتحصين مدافعها ضد إخوانها. وإني لأذكر بعض تلك الوجوه البئيسة من أهل الحل والعقد "يا حسرة كيف كانت تتخير خنادقها بين الكراسي، وترتب أرقام تدخلاتها ومواقعها بعناية قبل من تكون؟ وبعد من؟ حتى إذا افتتحت الكلمات وحميت النقاشات واشتعل الشرر لم تسمع منها إلا عبارات اللمز، ولم تر بينها إلا إشارات الغمز في مناورات من الدجل والحيل؛ من أجل "ترشيد" قرارات العمل الإسلامي وخططه- زعموا - والله المستعان. ص 95

وهذا ما برر به قرار انسحابه من " حركة التوحيد والإصلاح " حيث يقول : " الأحلاف الشاذة تحتاج إلى قدر لا باس به من الشذوذ لمغالبتها فلا بد من اعتماد قاموس من الشتائم والإهانات على وزانها ، وركوب أساليب الخداع والمناورات على أشكالها فأين هي(الإسلامية)أذن؟ ..لأن السفيه لا يغلبه إلا سفيه مثله أو أشد سفها ، ونحن لسنا بسفهاء –نعوذ بالله - ...بل من خدعنا بالله انخدعنا له ، ولكن إلى حين ، فالمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين .ولذلك فضلنا الانسحاب من مواطن السفه بسلام. وأمر الدعوة أوسع من أن نتدافع فيه مع هؤلاء ." ص : 98-99

فشل حركة التوحيد والإصلاح المغربية

يرى الأنصاري أن حركة التوحيد والإصلاح المغربية فشلت فشلا ذريعا لأسباب كثيرة منها الاستعجال وعدم التروي، حيث يقول "لقد كانت تجربة العمل السياسي بالمغرب فاشلة بكل المقاييس الشرعية والسياسية! بسبب أن الإسلاميين حاولوا قطف ثمرة لم يئن إبان قطافها، فتجرعوا مرارة فاكهة لم تنضج بعد! فكانت النتيجة خسارة للإسلاميين"(ص. 32) وفشلت في تقديم البديل الإسلامي:" "منتوجها الإسلامي " - بلغة المؤلف- الذي تتميز به

- على مستوى الهدف: إقامة الدين من الفرد إلى الأسرة، إلى المجتمع، إلى الدولة، إلى الأمة ، ويقول بأن هذا الهدف كان وهميا بالنسبة إلى واقعها، لأن العقلية المطيعية صيرت الحركة – في كثير من منتسبيها - بلا دين.

- على مستوى الوسائل الوظيفية: " الدعوة التربية التكوين" حيث اعتمدتها وسائل لتحقيق أهدافها، ثم لم تعرها اهتماما من الناحية العملية.

- على مستوى الشورى ويقول : " تزعم حركة "التوحيد والإصلاح" أنها نموذج متميز لتطبيق مفهوم الشورى الإسلامي على المستوى الداخلي للحركة، بل هناك من قادتها من يرى أنها أمثل نموذج على مستوى العالم الإسلامي كله، سواء في بناء الهياكل، أو في اتخاذ المواقف والقرارات، وأنا أزعم - كعضو سابق في المكتب التنفيذي، ومجلس الشورى، والجمع العام، وبعض اللجان الوظيفية، وكمشرف سابق أيضا على العمل الطلابي - أن ذلك كله مجرد وهم، بل الحقيقة المرة أن "الحركة" من أقدر التنظيمات الإسلامية على تطبيق "الديمقراطية" بمفهومها السياسوي، أعني الديمقراطية بما هي قدرة سحرية خارقة على إيهام الجموع العامة، والمؤسسات الشورية أن أعضاءها قد شاركوا، وأنهم قد عبَّروا، وأنهم قد رأوا، وما هم - في الواقع - قد رأوا شيئا.... حتى إن المشارك فيها لا يكاد يدرك أحقيقة هي أم خيال! وما رأيت في حياتي أشبه من شورى الإخوة - أو ديمقراطيتهم - بلعبة الخيط القمارية يعقدها اللاعب عقدا شتى ثم يطرحها على الأرض بعضها فوق بعض حتى يظن الرائي أنها قد انعقدت على حلق رابحة فعلا، فإذا وضعت أصبعك داخلها، سحب اللاعب الخيط، وترك أصبعك على فراغ خاسر – ليخلص –" أن هذا الشيء المسمى بـ(الشورى) داخل الحركة إنما هو ضرب من ''المكيافيلية'' التيارية أعني أنها منهج قائم أساسا على حفظ القيادة لصالح تيار معين وجناح معين بأي ثمن وبأي وسيلة كانت". ص109

ويخلص إلى أن حركة التوحيد والإصلاح " باتت لا يميزها سوى أن ناسها في هيكل تنظيمي، يجمع الصالح والطالح ككل تنظيمات الناس، صلاحها على قدر صلاح الناس، وفسادها على قدر فساد الناس، وفهمها للدين على قدر فهم الناس، فلم يعد لها أي شيء ليس لدى الناس حتى تعطيه للناس، بل كل ما عندها عندهم، وكل ما ليس عندهم ليس عندها " ص 110

6 - استصنام المذهبية الحنبلية في التيار السلفي

أما الخطأ السادس وهو ما أسماه الكاتب " استصنام المذهبية الحنبلية لدى التيار السلفي، فقد تحدث فيه الكاتب باستفاضة عن السلفية في المغرب وتاريخها، وكبار رجالها، ليلخلص إلى ما وقعت فيه – حسب رأيه – من اختلال تصوري وانحراف سلوكي، مستهلا كلامه بقوله:" وما كان أحد منه أولى – يقصد التيار السلفي - بإصلاح البلاد والعباد لو استمر على النهج القويم، لكنه هو أيضا أنتج – في مرحلة انحرافه - عقارب أشد خضرة من عقارب الحركة الإسلامية وأشد لسعا " ص 117، وكان قد ألمع في مقدمته إلى أن "السلفية المتأخرة صارت تتبرأ من مفهوم "الحركية" ص 19 و يذكر أنها – رغم إيجابياتها الكثيرة - لم تسلم من اختلال موازين ثلاثة الأمر الذي تولدت منه خمسة أخطاء منهجية أدت إلى تمزقها وذهاب ريحها؛ والموازين هي

- الأول: اختلال ميزان الحكمة حيث لم تراع البيئة المغربية وطبيعة أدوائها؛ ما تطيقه من أمور الدعوة والإصلاح وما لا تطيقه، وما كان حقه التقديم من ذلك وما كان حقه التأخير، ولم تستطع التكيف مع طبيعة المغرب المذهبية والسياسية بل إنها حاولت أن تنقل الدعوة الحنبلية للشيخ محمد بن عبد الوهاب، بصورة حرفية، من دون مراجعة ولا اجتهاد" ص 120.

- الثاني: اختلال ميزان الإنصاف حيث إنها ظلمت كثيرا من خصومها من أهل العلم والصلاح، من ذوي الاجتهادات المخالفة، كما أنها صادرت المذاهب الفقهية جميعا، عدا المذهب الحنبلي، وهاجمت التصوف بلا تمييز، ولم تحترم مراتب الأحكام على البدع إلا قليلا" ص 120

-الثالث اختلال ميزان الحلم: " وذلك بما مارسته من شدة مفرطة في النقد والهجوم على كثير من علماء المسلمين وهو ما لا يخلو من التوظيف السياسي الذي تقف وراءه الاستخبارات أحيانا.

مذكرا بالتحول الذي شهده التيار السلفي، الذي" تحول من مجرد تيار دعوي تجديدي تتلخص وظيفته في محاربة البدع وإحياء السنن في العقائد والعبادات إلى فاعل سياسي كبير يوظف سلبا وإيجابا على المستوى العالمي والمحلي بما جعله يتعرض للزلازل السياسية" ص 125 وخلص إلى أن هذا التيار أصبح أداة للتخريب والهدم وتضخم الشكلانية على حساب الحقائق الإيمانية والمقاصد الشرعية واستصنام الرأي الفقهي المأخوذ من المذهب الحنبلي وتقديمه للناس على أنه الكتاب والسنة وأنها حقائق قطعية لا مجال للاجتهاد فيها؛ " مما نقلها في أذهانهم من رتبة الصواب إلى رتبة الحق، كما نقل نواقضها من درجة الخطأ النسبي إلى دركة الضلال المطلق" ص 127

وهذا إنما وقع بسبب مجموعة من الاختلالات التصورية والانحرافات السلوكية هي :

1 – الاستهانة بالخصوصيات المذهبية للمغرب؛ التي أرجع سببها إلى أنهم"لا خبرة لهم بالخلفية المذهبية التي تضمنتها مقولاتهم نظرا لعدم لاختصاص بالفقه وأصوله، وبعلم الخلاف العالي من ناحية... ونظرا إلى أن الرسالة السلفية ألقيت إليهم على أنها هي العمل بالكتاب والسنة فدلس عليهم كثير من الأحكام الفقهية الحنبلية" ص 128

وقد تجلت حنبلية السلفية الدخيلة – كما سماها – في أمرين :

- التجلي الفقهي بتبني الأحكام التي قال بها أئمة الحنابلة قديما فصدرت إلى المغرب على أنها نوع من تجديد الدين، محاربة البدع ، وضرب لذلك أمثلة متعددة.

- التجلي الأصولي المنهجي أو " الاجتهاد في إطار المذهب" كلجوئهم إلى ترجيح أقول العلماء الذين اجتهدوا حسب أصول المذهب الحنبلي وخرجوا الفروع الجزئية على قواعده الأصولية، مع ظن الأتباع أنهم مجتهدون لا يتقيدون إلا بالدليل. وقال الكاتب في هذا السياق بأن ابن تيمية وابن القيم وبن باز والعثيميني وحتى الألباني كانوا حنابلة ص 137 . لأن التقليد ليس اتباعا في الفروع وإنما هو تقيد بأصول الإمام المقلد، وهذا ما أدى إلى تكسر تيارهم على صخرة المذهب المالكي في المغرب.

وترتب عن هذه الاختلالات خمسة أخطاء منهجية هي:

1 - الخطأ المنهجي الأول: الإعراض عن المذهب المالكي الذي يمتاز بسلفيته التي قادها ابن عبد البر وابن أبي زيد القيرواني والشاطبي وغيرهم، ممن حاربوا البدع في العقائد والعبادات والتصوف دون النقض لمذهبيتهم المالكية. ولا التنكر لتصوفهم السني. تماما كما صنع ابن القيم في الحفاظ على حنبليته الاجتهادية وتصوفه السني الأصيل ص 141 واستغرب كيف تقوم السلفية المغربية بتقرير الكتب الحنبلية في مدارسها تعليم، وتعود إليها في فتاواها دون غيرها ص 142 ويستطرد هنا بأن " السلفية فقدت نصرة الناس في المجال الدعوي الصرف، بسبب اضطراب ميزان الأولويات والجهل الفظيع بفن "التواصل" عند مخاطبة الجمهور وذلك بالتركيز على المفاسد الجزئية الخلافية، وإهمال المفاسد الكلية الإجماعية، وعدم مراعاة حاجة البيئة الدعوية وطبيعة مشكلاتها" ص 145 ويضرب على ذلك أمثلة بمعارك " الذات والصفات: و " الإثبات والتعطيل أو التأويل" في بيئة مات فيها علم الكلام أصلا بل ربما مات التدين، و أقبح من ذلك إثارة مثل هذه الأمور في أوربا بين شباب أضاعوا دين آبائهم وأجدادهم، وهذا ما جعله يقول :" لقد اختل ميزان الأولويات فعلا لدى كثير من متزعمي التيار السلفي في المغرب، فدخلوا في معارك وهمية، مع خصوم وهميين، وتركوا العدو الحقيقي يعيث في الأرض فسادا، وهم لا يشعرون، إن المشكلات الدعوية للبلد غير ما يتصورون، وغير ما يستوردون من المشرق من قضايا ومعارك... المغرب يعاني من اهتزاز منظومة القيم، وأصول الأخلاق الإسلامية، ومن وطأة الفجور السياسي، ومن ارتجاج الإيمان لدى بعض العامة والخاصة، ومن الإيديولوجيات " الأخرى" المناقضة للدين عقيدة وشريعة، ومن تسرب الطائفيات المخالفة لثوابت الوطن الدينية أصولا وفروعا"" ص 150 – 151 ثم يبدأ على هذا المنوال في تعداد المشاكل الجوهرية التي يحتاج المجتمع إلى حل لها ليخلص إلى أن " كل هذه القضايا الحقيقية هي أصول العمل الديني، التي أعرض عنها السلفيون، واشتغلوا بما وراءها بأزمنة بعيدة" ص 151.

2 - الخطأ المنهجي الثاني : الغلو في التحقيقات العقدية، ويمثل على ذلك بالدخول في "مواجهة الأشعرية بإطلاق وهي مدارس متعددة، وإحياء الفرق البائدة، والدخول في معارك ماتت، وبعث فتنها من جديد، وتصنيف الناس في العصر الحاضر على موازينها، ثم الغلو في التحقيقات العقدية، وإدخال العامة في متاهاتها مما لم يفعله رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولا أصحابه من بعده، الشيء الذي أدى إلى تعقيد التدين، والغلو في أخذ أحكامه، ثم إلى نفور الناس من الإقبال عليهم " ص151 – 152، مؤكدا في هذا الخصوص بأن عموم الناس بالمغرب لا يعرفون الأشعرية ولا الاعتزال ولا الإرجاء بل حتى أغلب المثقفين لا يعرف ذلك، وقال بأن الأشعرية بالمعنى الدقيق لا وجود لها في المغرب إلا في بطون الكتب.

أسباب قيام السلفية القتالية

يقرر الكاتب أن بعض قادة السلفية في المغرب جهال تسموا أشياخا وزعماء مما سهل عملية انحرافهم، يقول: " من هنا وبمؤثرات سياسية من جهات مشبوهة – داخلية وخارجية – تكونت السلفية القتالية ولا أقول الجهادية، فتناسلت عقاربها في كل مكان، لقد كانت بيئة التفتيش العقدي، والمنهج الحرفاني – ذي الأصول الحنبلية - في فهم الكتاب والسنة، بالإضافة إلى النفسية المرضية، التي تعاني منها الفئات الاجتماعية المهمشة، وكل الظلم السياسي العالمي للمسلمين في كل مكان، كل ذلك وما في معناه كان سببا في تفريخ العقليات الخوارجية التي خرجت على المجتمع من تحت جبة التيار السلفي" ص 156 -157

3 – الخطأ المنهجي الثالث مواجهة التصوف بإطلاق، يرى المؤلف أن السلفية في المغرب دخلت في مواجهة مع التصوف دون تمييز بين صالحيه وفجاره، وأن حنابلة العصر لو أخذوا بتلك القواعد التي وضعها ابن تيمية في هذا المجال لكانوا أعدل وأقوم. وقال بأن المغرب بلد صوفي بامتياز، وأن التدين الشعبي فيه إنما شكلته من الناحية التاريخية الطرق الصوفية، لهذا اصطدمت الدعوة السلفية بصخرة الطرق الصوفية.

4 - الخطأ المنهجي الرابع تضخم الشكلانية المظهرية؛ ويتمثل هذا الخطأ في رأي الكاتب في الاهتمام بالسنن الفرعية على حساب الأحكام الكلية الكبرى من الحقائق الإيمانية، وأصول العبادات والأخلاق الإسلامية، وأمهات الفضائل وأمهات الرذائل، " حيث صار المظهر الخارجي هو المقياس الأساس لسلامة الدين، وغدا إعفاء اللحية وتقصير الثوب بالخصوص هو المقياس الأساس للالتزام بالدين: وقال بأن "هذه الأمور من سنن الهيئات الدينية، والمظاهر التعبدية في الإسلام، ولكن بعض التيارات السلفية ضخمته كثيرا، وأعطته من الرعاية الدعوية أكثر من حجمه، حتى كاد أن يصير هو أساس الولاء و البراء لدى بعضهم" ص 164 وأضاف إلى أنه رأى من هؤلاء من يتحرج من حلق اللحية، ولا يرى حرجا من أكل أموال الناس بالباطل، وأكل السحت والتعامل بالربا" ص 164 ويعلل أسباب هذه الشكلانية بقوله " وإنما حدث هذا الاستصنام الشكلاني للمظاهر بسبب اعتماد الرؤية التجزيئية للشريعة، وانعدام الفقه السليم لمقاصد النصوص، ومراتبها الدلالية، مما نتج عنه ضرب من الظاهرية الفقهية، واعتماد الشكلانية في التدين واللاوطنية في اللباس، تقليدا للمشارقة" ص 165. وقال بأن النساء السلفيات صرن يتصرفن بطريق الخليجيات في التحجب، وأنه كان أولى بهن أن يتنقبن إن كان ولا بد بطريق المغربيات الأصيلات. وقال عن الرجال " وأطالوا لحاهم بصورة مزعجة مقرفة بلا تهذيب رغم أن العلامة الألباني، قال ببدعة إطالتها ووجوب الأخذ منها وهو قول قديم لبعض أهل العلم كالطبري.

5 – الخطأ المنهجي الخامس الارتباط المادي المشروط ببعض الدول المشرقية، يرى الكاتب أن السلفية ذات المذهب الحنبلي في المغرب صنعها الارتباط الوثيق ببعض دول الخليج، وأنه" لولا البترول لما كان للحنبلية في ثوبها الجديد هذا التأثير على كثير من دول العالم الإسلامي، الشيء الذي دفع بعض الانتهازيين إلى تصدر التيار السلفي أو الانتماء إليه على الأقل طمعا في الحصول على دعم مادي" ص 171

دعوة الإسلاميين من أجل التوبة إلى الله

يوجه الدكتور فريد الأنصاري في ختام كتابه نداء إلى الإسلاميين من أجل التوبة الصادقة والإنابة الخاشعة إلى الله فيقول: "ألم يأن للحركة الإسلامية أن تتوب إلى ربها، وتمسِّك بكتابها، فتحطم أصنامها، وتكسر أغلالها، وتسلك مسلك التلاوة للكتاب؟.. ثم تفتح طريق التعلم والتعليم للكتاب والسنة، فهل تعود الحركات الإسلامية إلى إخلاصها التعبدي، وإلى صلاحها المنهاجي، وانتشارها الدعوي؟.. وهل يعود خطابها إلى عمل رسالة القرآن، وأخلاق القرآن، وأولويات القرآن؟.. ثم هل تعود التيارات السلفية إلى سلفيتها، وإلى إخلاص دينها، والتعريف بربها، وترك شقاقها ونفاقها؟.. ثم هل يعود التصوف إلى روائه، وجمال صفاته، وترك غلوائه وشطحاته، وتصحيح منازله وأحواله، وعرض كل ذلك على قواعد العلم وموازين الكتاب والسنة؟".

د محمد المهدي ولد محمد البشير