المقاطعة الشعبية في المغرب تكشف عمق الأزمة السياسية ومخاوف من زلزال سياسي حقيقي
السبت, 09 يونيو 2018 20:38

altaltاحدى سمات التخبط التي تعاني منها الحكومة المغربية، تلك “الخرجة” المفاجئة وغير المتوقعة لوزير الحكامة الحسن الداودي، حين اختار في فورة المقاطعة الشعبية لبعض العلامات، الانضمام الى معسكر المناوئين لهذه المقاطعة وذلك بمشاركته في تظاهرة لعمال شركة سنترال دانون الفرنسية والتي جلبت عليه انتقادات ساخطة.

واقعة مشاركة الوزير الداودي في مظاهرة “عمالية” وترديد شعارات ضد المقاطعة التي تستهدف شركات من بينها شركة المنتجات الحليبية، جاءت في وقت يشهد فيه المشهد السياسي المغربي حالة من التخبط والارتجالية غير مسبوقة منذ تولي الملك محمد السادس الحكم، وفي ظل أزمة اجتماعية تزداد تعقدا يوما بعد يوم أمام انسداد الأفق، خاصة في مجال التوظيف الذي أضحى يشكل القنبلة الموقوتة التي تتهدد الاستقرار الاجتماعي.

أجمع عدد من كوادر الامانة العامة لحزب العدالة والتنمية على أن خروج الداودي في هذا الوقت بالذات كان خطأ جسيما يستحق “التأديب” في حق مرتكبه، فحملة المقاطعة التي شارك فيها العديد من أنصار الحزب بشكل غير رسمي ودعموها على مواقع التواصل الاجتماعي، بات لها تأثير قوي على صناع القرار الاقتصادي والسياسي، فبعد اعتذار مسؤول في الشركة على “زلة لسانه” في حق المقاطعين، اختفى وزير الصيد البحري والزراعة عزيز أخنوش ومالك شركة “أفريقيا” للمحروقات احدى العلامات المستهدفة من حملة المقاطعة، من المشهد السياسي، الشيء الذي أثار الكثير من التساؤلات حول هذا الاختفاء المفاجيء لشخصية لقبت ب”سوبرمان” الائتلاف الحكومي.

لكن أخنوش سيظهر بعد هذا الغياب الذي دام منذ تصاعد المقاطعة، محذرا من الآثار السلبية للحملة لمقاطعة لحليب إحدى الشركات ومن تضرر قطاع الحليب ككل بسبب انخفاض المداخيل ورقم المعاملات الزراعية وتراجع المساهمة في الناتج الداخلي الخام للزراعة.

ودعا الوزير المقاطعين الى مراعاة “الحالة النفسية للمزارعين” حيث أن القطاع الذي يشغل ما يقرب المليون ونصف، سيعرف صعوبة في تسديد الديون المتعاقد عليها من قبل مربي المواشي.

خطورة المقاطعة على الاقتصاد المغربي كان الحسن الداودي رئيس قسم الاقتصاد بكلية الحقوق سابقا، أول المحذرين منها من داخل الائتلاف الحكومي،  وربما كان ذلك هو دافعه الى الهمس في أذن أحد المشاركين في الوقفة لترديد عبارة “الاقتصاد في خطر” بصوت عالي.

بعض المغاربة لم يتوانوا في كيل الاتهامات للوزير بالانحياز لصالح الكيانات الاقتصادية الفرنسية المهيمنة على الاقتتصاد الوطني منذ فترة الاتداب الفرنسي، بما يمثله ذلك من عقدة لدى عموم المغاربة، رابطين مواقف الداودي تلك، بمسيرة حياته حيث تابع دراسته الجامعية في فرنسا والتي نال فيها أيضا الدكتوراه في العلوم الاقتصادية، والمتزوج من فرنسية، وهو ما دفع بالنائب عن حزب “الحركة الشعبية” محمد السيمو،  الى وصف حملة المقاطعة بأنها سلوك عنصري تجاه جمهورية فرنسا من شأنه أن يخيف المستثمرين الأجانب، مؤكدا أن حملة المقاطعة قدمت للحكومة درساً كبيراً، وأبلغتهم الرسالة واضحة. وأمام عجز الحكومة المكونة من اسلاميين وليبراليين واشتراكيين، وتخبطها في التعاطي مع المقاطعة التي لا تبدو لها أي نهاية في الأفق القريب الى جانب فشلها الدريع في معالجة الملفات الاقتصادية والاجتماعية الشائكة، يرى مراقبون أن الوضع الذي يعرفه المغرب والمتمثل في انخفاض المؤشرات الاجتماعية وتصاعد الحراك الاحتجاجي في أشكاله التقليدية أو في شكله الجديد، وولادة الحكومة الحالية عبر مخاض عسير بسبب انسداد سياسي دام نصف عام والتي تجد نفسها اليوم وبعد عام من تشكيلها أمام انسداد سياسي من نوع اخر، ما من شأنه أن يُؤدي الى اعادة تشكيل خارطة  حزبية جديدة في المغرب.

وفي هذا السياق، يرى الدكتور أحمد البوز، أستاذ القانون بجامعة محمد الخامس بالرباط، في مقابلة مع التلفزيون الألماني (دي دبل يو) أن المهمة الأصعب أمام رئيس الوزراء لا تتمثل في رفع طلب اعفاء الوزير الداودي للملك والبحث عن من يخلفه، وانما الصعوبة تتمثل في ايجاد مخرج من مأزق المقاطعة التي من شأنها أن تعصف بالائتلاف الحكومي الهش ومستقبل الحزب الاسلامي.

وحذر المتحدث من تسبب تواصل المقاطعة في زلزال سياسي يقود الى اسقاط الحكومة ككل، أمام غياب أي جواب حول المأزق السياسي والاجتماعي الذي يمر به المغرب.

يشار الى أن الحسن الداودي تقدم مباشرة بعد مشاركته في التظاهرة، الى رئيس الوزراء بطالب اعفائه من مهامه الحكومية.

وبلغت خسائر شركة سنترال دانون لوحدها حوالي 16 مليون دولار وهو ما أدى الى تسريح المئات من العمال، في وقت كان ينتظر فيه، اتخاذ الحكومة تدابير ناجعة للخروج من هذا الوضع، وجد رئيس الوزراء نفسه مطالب بايجاد حلول للصدع في حكومته.

ومن جهته، كان هدد حزب الاصالة والمعاصرة المعارض باسقاط الحكومة من خلال توقيع “ملتمس رقابة” وبالفعل بدأ الحزب مشاورات في هذا الصدد، وجاء ذلك بعد أن كان قد كشف حكيم بن شماش الرئيس الجديد للحزب، أن هدف حزبه هو محاربة الاسلام السياسي.

وفي وقت يعيش فيه حزب التجمع الوطني للأحرار الذي يرأسه عزيز اخنوش، حاليا أزمة حقيقية، زادتها تفاقما اتهامات المقاطعين لرئيسه المقرب من القصر بالجمع بين الثروة والسلطة. ويرى ذات المصدر، ان حل الحكومة، والدخول في انتخابات مبكرة، قد تعيد نفس التركيبة، وبالتالي ستواجه نفس الاشكاليات كون الحكومات في المغرب لا تملك ارادتها وليس لها القدرة على تنفيذ اختياراتها، حيث تبقى الأزمة في المغرب أكثر تعقيدا من مسألة تغيير حكومي أو تنظيم انتخابات سابقة لأوانها.

ودعا المتحدث الى ضرورة اعادة النظر في العلاقة بين المؤسسة الملكية والحكومة وتكريس استقلالية هذه الأخيرة، واحداث تغيير جذري لأساليب الممارسة السياسية واعطاء الأحزاب السياسية امكانية العمل بحرية لتنفيذ برامجها التي أوصلتها الى الحكم.

رأي اليوم

 

إعلان