مسيرات العودةْ صناعة الامل في عصر الحصار
الجمعة, 08 يونيو 2018 14:13

altalt لو قُدِّر لنا أن نستفتي القائد العسكري الفذ عند الاغريق القدامى، أغممنون، عن رأيه في حصار قطاع غزة، لكنا في الغالب سمعنا عجائب القول وفظائع الرأي. فلا طروادة التي حاصرها هو لمدة عشر سنوات صمدت كقطاع غزة المحاصر منذ انثي عشر عاما متواصلا. 

ولا هيلانة، تلك المرأة الاجمل في العالم في حينه، كانت قد اختطفت من قطاع غزة كما كان قد فعل ابن ملك طروادة، باريس، عندما قام بخطف هيلانة، اخت زوجة أغممنون وزوجة أخيه، مينيلوس، ملك اسبارتا. فلا شك أن أغممنون سيزمجر ويستشيط غضبا على هذا الحصار غير القانوني لمليوني شخص تقريبا، وعلى اخضاع منازلهم وبناهم التحتية ومقومات عيشهم كلها للتدمير الممنهج، وعلى قتل أبريائهم، شيوخا وأطفالا ونساء بدم بارد. ولربما يصل الأمر بأغممنون، المشهور في التاريخ والذي فرض أطول حصار من ذي قبل، الى حد أن يحاصر محاصري قطاع غزة، نصرة للحق ودفاعا عن الشرف وتعبيرا عن الشجاعة والمروءة والنخوة. ولكن المؤكد هو أن أغممنون، ذلك القائد العسكري المرموق، سوف ينحني احتراما لكل طفل ورجل وامرأة فلسطينية تشارك في مسيرات العودة التي أصبحت تقض مضاجع الاسرائيليين في زمن تبجحوا فيه لما نعموا به من استقرار وأمان، وفي زمان أصبح فيه الخنوع والتذلل من أهم سمات العصر.

قد تكون أفضل طريقة لفهم ما تحمله مسيرات العودة من أبعاد ودلالات هي بتخيل الوضع الفلسطيني في ظل عدم وجودها. ففي مرحلة يشكل أهم خصائصها الانقسام، الشتات، انسداد الافق السياسي، تبعثر الطاقات، تفشي ظاهرة الفردية والأنا، تعميق أزمة الثقة، واستشراء المخاطر المحلية والاقليمية والدولية، لا بد اّلا وأن يكون اليأس هو النتيجة الطبيعية التي تصبغ الحياة في المجتمع الفلسطيني، بشكل عام، وفي قطاع غزة الاكثر تضررا، بشكل خاص. ففي مكان تستهدف فيه كل مقومات الحياة، بما فيها الهواء، الدواء، الماء، الكهرباء والغذاء، كما يفعل الاحتلال الاسرائيلي مع قطاع غزة، يمكن أن يصبح الاحباط هو أكثر الادوات فتكا بالمجتمع. هذا عدا عن تحويل القطاع برمته الى أكبر، وفي ذات الوقت أضيق، سجن في تاريخ البشرية، بسبب الاكتظاظ الاعلى في تعداد السكان، تناسبا مع المساحة الجغرافية الضيقة للقطاع.

بالطبع، ليس بالامكان التقليل من حدة المعاناة التي يواجهها المواطن الفلسطيني في قطاع غزة. فحقا، ان القب يعتصر ألما وحزنا كل يوم على المعاناة التي يتكبدها القطاع وأهله. ففي كل اسرة ممن نجوا من الابادة الجماعية عبر ثلاثة حروب ومتفرقات في العقد الاخير قصة ألم وحزن، أو أكثر. فعند كل اسرة، امّا بيت مهدم، شهيد أو شهداء، جريح أو جرحى، أسير أو أسرى، أو ما بين هؤلاء جميعا. فكم من أُمّ ثكلت وطفل تيتم! وكم من مصاب فارق الحياة لانعدام أبسط مقومات الاسعاف والعلاج! وكم من حياة تعطلت بسبب الحصار واغلاق المعابر!

ولكن واضح أن الاحتلال الاسرائيلي الذي يمتلك أدوات القتل المتفوقة لم يدرك أن قوة الارادة تتفوق على ارادة القوة، خاصة عند شعب وضع نصب عينيه الحرية كهدف. فلا يمكن أن تستوي آلة الاحتلال وجبروته مع العزيمة والارادة لشعب مصر على التحرر. لم يعِ الاحتلال، وقد لا يعي، أن ما يمتلكه الشعب الفلسطيني المنتفض في مسيرات العودة في قطاع غزة هو ما لا يمتلكه هو، أي سلاح الارادة والتحدي والابداع الذي لا يمكن قياسه بالارقام والنوعية، كما القوة التقليدية.

ربما تكون هذه هي المرة الاولى التي يتعدى فيها النضال الوطني الفلسطيني الشعبي السلمي مجرد الرمزية في التحرك والاحتجاج، ليصل الى حد جعل قوة الاحتلال المحاصرة تتكبد خسائر لا يمكن اهمالها أو التقليل من شأنها. فهذه الطائرات الورقية التي يطلقها المشاركون في مسيرات العودة نحو المستوطنات الاسرائيلية تشكل علامة فارقة في هذه المرحلة من مراحل الصراع. فهي تعتبر ابداعا حقيقيا يواجه واحدة من أكثر القوى التكنولوجية تطورا في العالم.

وبالاضافة الى ذلك، فان قدرة هذه المسيرات على احداث الربط الذي طال انتظاره بين فعاليات الشعب الفلسطيني في المواقع المختلفة يعتبر انجازا ذا بعد استراتيجي. فصحيح أن مكونات الشعب الفلسطيني عادة تهب لنصرة بعضها بعضا في أوقات الازمات، اّلا أن هبة حيفا، عروس البحر، بالتحديد، للوقوف مع قطاع غزة تمثل انعطافا حقيقيا في مسيرة الحاضر والمستقبل الفلسطيني. فالشعارات المشتركة بين قطاع غزة وحيفا، بما تمثل من عمق فلسطيني، والتي تؤكد على وحدة الهدف في العودة قد تشكل مقومات عمل استراتيجي لمراحل قادمة. فعلى عكس حالة التفتيت والتفسيخ في الاوساط الفلسطينية التي أحدثتها اتفاقيات أوسلو، نجد أن مسيرات العودة تعاود أيقاظ الوعي الوطني وتعميقه، مشددة على أن المسيرة هي ذات المسيرة، والهدف هو نفس الهدف لشعب واحد لا يتجزأ.

واذا ما حافظت هذه المسيرات على استمراريتها وزخمها وتجددها، فان مواقع فلسطينية اخرى ستحذو في الغالب ذات الحذو، لا محالة، كما فعلت حيفا. فالضفة الغربية والقدس ليست بمنأى عمّا يحدث في قطاع غزة. وقد يكون الامر مسألة وقت فقط حتى تجد ظاهرة مسيرات العودة تستنسخ وتنسق في الضفة الغربية والقدس، ولربما في محطات الشتات الفلسطيني الاخرى.

واذا ما وصل الشعب الفلسطيني الى مرحلة يجعل فيها الاحتلال أكثر كلفة منه ربحا للمحتل، فلا شك عندها ستتغير الخارطة السياسية بالكامل وتتحول صفقة القرن الى صفعة حقيقية في وجه مهندسها. فرغم عناد الاحتلال الاسرائيلي، وغطرسته واستعداده لصب المزيد من الفاشية والبطش على الشعب الفلسطيني، اّلا أن قدرته على احتمال الخسائر المنتظمة والمتعاقبة تبقى ضعيفة، وذلك بسبب اعتياده، بحكم تركيبته، على الرفاهية والرخاء والاستقرار. صحيح أن الاحتلال الاسرائيلي، كعادته، سوف يلجأ الى تكبيد الشعب الفلسطيني أكبر قدر من الخسائر، على مختلف الصعد، اّلا أن ظاهرة مسيرات العودة، باستمراريتها وزخممها المتصاعد وتمددها، أفقيا وعاموديا، تستطيع أن تحدث تحولات استراتيجية هائلة في مسيرة الصراع.

على أهميتها ورغم ما لها من معاني، ما كان يجهض محاولات جماهيرية سابقة ويحول دون تحقيقها انجازات استراتيجية هو تمحورها حول رمزية الحدث، رتابتها وتموضع تأثيرها في مواقع التواجد الفلسطيني، فقط. بمعنى آخر، ان عقلية الاحتلال كانت تتعامل مع مثل هذه المحاولات كتجارب وتمارين ميدانية لتدريب المزيد من عناصر الاحتلال على البطش بالفلسطينيين المتظاهرين والمحتجين، أي وكأنهم يقولون “على بال من يا من ترقص في العتمة”. ولكن هذه المرة، يتضح بأن تأثيرات مسيرات العودة ليست موضعية فلسطينيا، فحسب. فتأثيراتها الفائضة لا يمكن القفز عنها. والاحتلال، بقواته ومستوطنيه، ولربما أيضا بقرنائه لاحقا، لهم نصيبهم مما زرعته أيديهم من انكار للحق والوجود الفلسطيني.

كل متضرر في مسيرات العودة، شهيدا كان، مصابا، أم أسيرا، يعتبر أيقونة شرف وكرامة سوف يحار المؤرخون فيما يختارون من عبارات لوصفها. فرغم انعدام كافة المقومات، ما يسطره المشاركون في مسيرات العودة من بطولة وجرأة وشجاعة في وجه أعتى قوة عسكرية أقليمية يعتبر منقطع النظير، بالفعل. ولكن الصورتين اللتين سترسخان في وجدان كل فلسطيني وفي وعي كل انسان ذي ضمير هما لأبراهيم أبو ثريا ولرزان النجار، بشكل خاص. فكما كانت من قبل صورة الطفل محمد الدرة وصورة الطفل فارس عودة هما اللتان أمدتا انتفاضة الاقصى ببعدها الانساني العميق اللامتناهي، فان أسطورة الشاب الفلسطيني المعاق جسديا، والمتفوق وجدانيا، أبراهيم أبو ثريا، سوف تبقى محفورة في ذاكرة الاجيال، جيلا بعد جيل. فالاصابة المباشرة التي أقعدته بقدميه في احدى حملات العدوان على قطاع غزة، لم تثنِ أبو ثريا عن الاصرار على قطع المسافات المحفوفة بكل المخاطر ليرفع العلم الفلسطيني، كرمز للحرية والكرامة، على السياج الفاصل بين القطاع والمستوطنات الاسرائيلية. واضح أن الاحتلال الاسرائيلي لم يستطع تحمل ما يعنيه هذا الاصرار وما ينتجه من طاقة وقوة. فسارع لاطلاق النار القاتلة على أبو ثريا ليرتقي شهيدا، مع سبق الاصرار.

وكذلك الامر بالنسبة للشابة التي هي في مقتبل عمرها وريعان شبابها، الممرضة، ملاك الرحمة، رزان النجار، والتي أبت اّلا وأن تكون في الخطوط الامامية لتؤدي واجبها المهني والانساني والوطني، لتقديم الاسعافات للجرحى المتتالين في مسيرات العودة. وكذلك، فان الاحتلال لم يتمكن من هضم حقيقة الاصرار على الحياة عند شابة فلسطينية مثلها، فأطلق النار عليها، وفي حقيقة الامر، على مهنتها، كممرضة، لان من عادته أن ينهي حياة من يصاب، وليس أن يقدم له العون، تأسيا بأبسط القوانين والاعراف والتقاليد. لم يشفع لها زيها الرسمي، بل ولربما هذا الزي هو الذي حدى بذلك القناص الاسرائيلي القاتل لارتكاب جريمة حرب بقتلها. رزان سوف تبقى شمعة لن تنطفئ في الذاكرة الفلسطينية، لدى من أسعفت جراحهم ولدى من لامست وجدانهم.

الى جانب ما تمثله من بعد انساني غاية في العمق، فان مسيرات العودة أيضا تشكل تحديا صارخا لنظام دولي تسوده غطرسة القوة الامريكية، خاصة في المحافل الدولية. فبينما كان الفلسطينيون يرتقون شهداء بالمئات، ويسقطون مصابين بالآلاف، ويُختطفون معتقلين بأعداد هائلة، كان طوق النجاة للاحتلال الاسرائيلي بالمرصاد، مجسدا بالموقف الامريكي في مجلس الامن، ذلك الموقف الذي عفا عليه الدهر وأصبح ينتمي الى عصور ما قبل المدنية والحضارة. فالفيتو الامريكي، وكذلك البدائل المطروحة، سواء من قبل ممثلة الولايات المتحدة في مجلس الامن، نيكي هايلي، أو سواها، بالفعل، تنتمي الى أسوأ عصور التحجر والتهافت، بحيث يطغى استقواء القوي على الضعيف، وهدر الحقوق، ورفع شأن الباطل والظلم.  

يبقى الاختبار الاهم لمسيرات العودة يرتبط بمقدار ما تستطيع المحافظة عليه من زخم جماهيري في قطاع غزة وخارجها، خاصة بعد الذكرى القادمة ليوم القدس. متوقع أن يحتدم الاحتكاك بين المشاركين في المسيرات وقوات الاحتلال في ذلك اليوم. ومتوقع أيضا أن يحاول الاحتلال، فاشلا، النيل من عزيمة المتظاهرين. ولكن ديمومة هذه المسيرات فيما بعد وقدرتها على بعث الطاقة والروح في من يشاركون فيها بشكل متواصل سيشكل أكبر عقبة كأداء للمحتل، بحيث سوف يجد نفسه أمام خيارات، أحلاها مرُّ.  

ولو قُدِّر لنا أن نحادث أحد أقدم الاستراتيجيين الصينيين العظماء، صن تزو، عمّا قد تؤول اليه مسيرات العودة من نتائج، فانه سوف يذكرنا بما قاله في كتابه الشهير، “فن الحرب”، بأن الامل عند الطرف المستهدف عادة ما يتعاظم ويزداد كلما اعتقد الخصم بأنه يضيّق عليه بالمزيد من الحصار والخنق. لم يكن صدفة أن أوصى صن تزو بأن يبقي الخصم دائما على متنفس للطرف الذي يحاربه، لأنه اذا لم يفعل، لا يترك لدى الطرف الذي يستهدفه اّلا خيارا واحدا أوحد، ألا وهو التسلح بالامل، ومن ثم العزيمة والارادة والابداع والابتكار. وان في سياق مختلف، هذا هو تماما ما مكن القائد العربي طارق بن زياد من تحقيق النصر، وذلك عندما أحرق سفن جيشه على الساحل، وترك لهم امّا خيار العودة الى البحر ومن ثم الغرق، أو الاقدام ومقاتلة الاعداء.

الاحتلال الاسرائيلي، بحصاره لقطاع غزة على مدى اثني عشر عاما، وبصلفه وانعدام النظرة الثاقبة لديه، لا يترك للمحاصرين سوى خيار واحد مثل مسيرات العودة، بكل ما تحمله من معاني وأبعاد ودلالات، وبكل ما تشيعه في الاجواء من أمل، في زمان عز فيه التفاؤل.

د. هشام أحمد فرارجة – استاذ العلوم السياسية في جامعة سانت ماري في كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية

www.hishamahmed.com  

 

إعلان