أعباء الفشل والنجاح، بين أسرار التاريخ وإسرار الجغرافيا؟
الأربعاء, 17 مايو 2017 12:31

محمّد لواتيمحمّد لواتيتركيب الأخطاء على ظهر الجغرافيا كاستنساخ .الوهم في مرايا الظروف المُتآكلة هكذا حال دول التآمر العربي على العالم العربي وعلى سوريا بالتحديد.. ولكن دائماً سيآتي الفشل هي النهاية حتى وإن تراصّت كل القوى على صوت واحد.. في الحروب الأخيرة للغرب، 

وبغطاء دولي مرسوم مسبقاً، قضايا تثير الاشمئزاز إن لم نقل العُهر السياسي البليد.. أن ملاحظات التاريخ من الغرف السوداء هي مثل ملاحظات من كان في آخر عمره، ويريد التأكّد من شبابه.. مؤامرات تلد مؤامرات، والناتج محاولات القفر على أوراق الواقع بمرايا الخيال أملاً في الوصول إلى تطويع سياسي يتبنّاه خارج الجميع بمنظور الواقع، وهذا هو الخطأ القاتل.. وهذا بالتأكيد ما وصلت إليه المؤامرة على سوريا، وليبيا، ومن مازال بعد، جزء منها في طيّ الظلام.. حين يصير الوهم على أنه حقيقة تصير الأوهام جزءاَ من حركة التاريخ المجزّأ مع أن التجزيئية ضرب من بريق أمل في شظايا العقل غير المضبوط.. لست من الذين يؤمنون بالحكمة بأثر رجعي، ولكن أيضاً لست من الذين يقرأون الواقع فوق الجروح فقط، لأن الحدث مسبوق بتوصيف ربما يبدو للبعض غامضاً، ولكنه حتماً هو جزء من اللعبة القذرة في أدغال التجسّس غير المضبوط أو في منطق منحوت بفعل الجريمة المُسبقة والعِقاب الجاهز.

لكن، حتماً ثمة عامل آخر يصنع التاريخ ويحرّك الأحداث صوب الجزء الأهم في التاريخ.. لقد خسرت أميركا كل حروبها وإن ربحت المعارك بالخراب والدمار، ونفس الشيء بالنسبة لأوروبا لأن المعارك أياً كان لونها ونوعها هي في مدى نتائجها وحاصلها، وهذه الحروب قد تجترّ شيئاً من التاريخ لكن تبقى أصداء ما تراكم من تاريخ الأعراب المتآمرين كقطر والسعودية، أو أية دولة شبيهة بهما تكون بمثابة المحرّك للأحداث الجديدة وتوصيفها حالة بحالة وهي -بالتالي - غير قادرة على استقطاب المؤامرة وأن وضع دُعاتها موضع المُتشكك في أفكاره إلى حد البلادة، وهذا هو الذي حدث مع سوريا وسيكون لاحقاً مع ليبيا لأن سقوط ليبيا لا يعني إلا بداية مرحلة ولكن، كيف يكون لونها ذلك ما لم يفهمه التحالف الغربي والأعراب بعد، خاصة وأن الذين يضغطون اليوم على رخام المبادرة الجزائرية هم جماعة أنصار القاعدة، والملفت في هذه الظاهرة أن أميركا بدأت فعلاً تحضّر نفسها لذلك، عكس أوروبا التي تبدو مُنشغلة بإطماعها الوهمية في بترول ليبيا.. إن قراءة متأنّية لما يجري في العالم اليوم مهمة، لأننا في الجزائر وإن كنا بعيدين لحد الآن عن عواصفها فلسنا كذلك في ما يخطط لنا في الغرف السوداء، وما تحاول فرضه مواقع افتراضية تدّعي الوصاية على حقوق الإنسان، ومحاربة الإرهاب ..أكيد نحن نملك الحيّز المهم في التاريخ والحيّز الأهم في ثقافتنا التاريخية..

وأكيد أيضاً إن هناك من الدول المُصابة بداء الانهيار لأسباب داخلية بحتة، تجتاح بمواقفها غير الأخلاقية منطق التاريخ وقوة الجغرافيا بمنطق افتراضي لا أقل ولا أكثر، وتدّعي - ظناً- أنها تملك المصداقية بين رفوف التاريخ وأوجاع الحضارة، وهي بالتأكيد، تحت ضربات الأحداث وأفعال الهروب من الأسر التاريخي الذي وضعت فيه نفسها تتأرجح، أسر المنظمات الوهمية التي تدّعي أنها تدافع عن حقوق الإنسان وهي صاحبة أكبر الجرائم ضدّ الإنسانية، لم تكن محكمة" لاهاي" إلا نموذجاً لهذا الأمر، ولم تكن منظمة أطباء بلا حدود إلا ظلاً لمواقف تُطبخ خلف الأبواب المُغلقة، والتاريخ يصرخ يومياً أين هو عقاب "جورج بوش"مثلاً أو"ساركوزي" أو محمّد بن سلمان  و"دولاند ترامب"والأخيران  برأي" الإندبندنت: هذان الرجلان هما الأخطر في العالم"وغيرهم من أصحاب الجرائم التي حرّكت حتى غرائز الحيوان لبشاعتها. والمـآسي الكبرى عبر التاريخ مارسها بُناة الفكر الاستعماري إبّان فترة الاستعمار للدول، نحن واثقون من أن المآسي الكبرى عبر التاريخ مارستها الأيادي المُلطّخة بالدماء والمُقيّدة بأطماع الاستعمار، وتمارسها اليوم أنظمة عربية ضدّ جيرانها العرب وإيران..

هذه حقيقة و ليست وهماً أو ادّعاء، إن المنطق الفاعل لا يلد في الإحداث الكبرى غير المنطق الصحيح والسالم، خارج ذلك هو منطق ملفوف بقشرة الأوهام، إن محاولة القفز على حقائق هي من صنع التاريخ، والأخذ بمنطق الجغرافيا على غير فعل الماضي فيها هو بداية السقوط في حلقات الأوهام، والتوصيف الافتراضي للأشياء هو من خارج الحقائق المنسوجة على أرض الواقع، توصيف لا يشكّل في النهاية ألا تراجعاً في المواقف وانتصاراً للفوضى، فالجغرافيا المُغطّاة بتراكمات التاريخ الإيجابي لا يمكن افتراض الخطأ فيها مرتين ،ذلك، أن في التقاء التاريخ بالجغرافيا يولد الإنسان.. والإنسان الجديد هنا إنسان غير طارئ على الواقع وغير معزول عن أحداث ما جرى فيه، ومن هنا يمكننا التأكيد على مبدأ هام وهو إن اخطر الاحتلال ، احتلال العقل .

إذن، ما الذي لم يعهِ الغرب الاستعماري في صراعه الدموي ضدّ البلدان العربية والفكر القومي فيها..؟ وما طبيعة هذا الصراع بالنظر إلى بعض الحتميّات التي برزت كنتائج سلبية عند البعض وإيجابية عن البعض الآخر قبلاً وعلى مدار أشهر.. ؟ إن الأحداث الداكنة التي شهدتها عدّة بلدان عربية هي ثمرة أوج "الربيع الدموي "، وقيل في الغرف المظلمة أنها بداية السقوط  بالقوة للجغرافيا العربية في الفوضى العارمة وصولاً إلى التفتيت.. !!

منطق الغرابة في هذا التوصيف أن لا أحد من هؤلاء في الظاهر والخفيّ قرأ تاريخ المنطقة قراءة تاريخية.. البعض قرأها عقدياً فأسّس تنظيمات إرهابية تؤسّس بدورها للطارئ فيه، وهذه حال السعودية ، والبعض قرأها سياسياً بناء على أحداث ما جرى من تحولات سياسية فيها، وهذه حال الغرب عموماً وأميركا خصوصاً، وتخلّف مَن تخلّف عن فهمها كما هي حال الأنظمة السلالة، وهي من وجهة نظري كلها قراءات لا تعبّر إلا عن شيء واحد وحيد، اسمه الفراغ، ومفهوم وثابت أن الجغرافيا مثل السياسة لا تقبل الفراغ بعكس ما تعبذر عنه الحضارة الغربية من أن التكنولوجيا غسيل للدماغ والحضارة غسيل للأمعاء، وبالتالي، فإنه حين بدأت قوة الطغيان الداخلي للأزمة المالية، تحرّك الغرب طبقاً لمفهوم التكنولوجيا، بيد أن معالم الانحراف السياسي على مستوى المؤسّسات الدولية هي قائمة أصلاً ومن تم بدأ التخطيط في ظل قوة ناعمة في أوروبا الشرقية وبعض دول الاتحاد السوفياتي سابقاً لهذا الانحراف، وفي غياب روسيا والصين لا حباً منهما في ذلك الوقت ولكن في انتظار الوقت المناسب..

كانت إيران باعتبارها قوة صاعدة وبوفرة مهمة من الصناعة العسكرية الردّعية التي ظلّ مُحرّم امتلاكها خارج جغرافية الغرب والولايات المتحدة الأميركية، ويتم ذلك تحت ضغط أدوات القهر الأميركي والغربي بواسطة مؤسسات دولية يفترض فيها أن تكون في حماية الجميع، وكان العراق ضحيتها في حروب مأجورة أو مدفوع إليها ، يبد أن إيران ظلّت على مدى ثلاثة عقود تلعب تحت الرمال صناعياً ووفق التعبئة العامة للشعب فوق السطح..ما أغضب أعراب الخليج وأرادوها عدواً بدل إسرائيل .. 

لقد حاولت الإدارة الأميركية في عهد الرئيس" رولاند ريغان" احتواءها بما عُرف وقتها ب" الاحتواء المزدوج " ولكن إيران استعلمت اللعبة بما عُرف لاحقاً ب"إيران غيت" وظلّ التناقض ينخر سياسية الغرب بما قام به من إرهاب الدولة وما خلقة من فتن في المنطقة، وبالاعتماد على أدواته من بعض الرؤساء العرب مثل حسني مبارك ، وبن على ، وملك الأردن، وأعراب السعودية، وآخرون والذين اصطلح عليهم مؤخراً ب "الوكلاء العسكريون للولايات المتحدة الأميركية في المنطقة "، لكن كل هذه المحاولات للتوريث للأفكار الاستعمارية بمُصطلحات براقة ، كالديمقراطية وحقوق الإنسان، وأحياناً بجغرافية سياسية ترفضها جغرافية المنطقة ، حتى العراق الذي دُمّر في حرب أميركية خاسرة كان مقرراً من ورائها أنه سيكون مستقبلاً محور الصراع في الشرق الأوسط بدل إسرائيل ..استهدفت الجغرافيا في المنطقة ولكنها تحوّلت لاحقاً إلى مركز شديد للمقاومات أفشلت المخطّط من أساسه، وتخرج اليوم منه أميركا من دون ضمانات لبقاء أيّ جند أميركي فيها، بل هناك منطق يسود فيها هو أن العراق سيتحوّل إلى بؤرة توتّر للسياسة الأميركية في المنطقة تستفيد منها إيران وهو ما يحدث الآن فعلاً.

إن تجاهل منطق الحرب وتعويضه بمنطق سياسي يسعى الآخر( أميركا) فيه لربح المعركة، لكن بالتأكيد لا يمكن أن يوفّر له ولو للحظات حتى  الادّعاء بربح الحرب ،هذا هو الذي يحدث الآن في العراق وليبيا وسوريا.. إذ حين يصبح هذا المنطق في حيّز الواقع تظهر بوادر الانفجار ضدّ مخلّفات المعركة وهذا ما حدث.." في رؤية روسيا والصين لموقفهما في مجلس الأمن الدولي حيث استعملتا حق النقض فيه معاً، في الفيتو المزدوج .." هذا الأخير لم يستعمل حتى الآن إلا مرة واحدة ، وقتها اعتبرت ممثلة الولايات المتحدة الأميركية في مجلس الأمن ذلك بقولها بأنه "كان يوماً حزيناً لجلس الأمن" بل ذهب وزير خارجية فرنسا إلى حد اعتبار ذلك "حرباً ضدّ التحالف الدولي" وهنا أعود إلى نقطة مهمة في خطاب ممثل روسيا - ربما لم ينتبه إليه وقتها إلا القليل من السياسيين - في مؤتمر "ميونيخ بألمانيا" لسنة 2005 قال ممثل روسيا في خطابه (( إن دخل الفرد الروسي أقل من دخل الفرد الأميركي ، ولكن دخل الفرد الروسي مع دخل الفرد الصيني هو أكبر من دخل الفرد الأميركي، ودخل الفرد الأوروبي هو أكبر من دخل الفرد الروسي  والصيني لكن دخل الفرد الروسي مع الصيني والهندي هو أكبر من دخل الفرد الأميركي مع الأوروبي..)).

وهذا المنطق الجديد هو الذي صنع الحدث في مجلس الأمن الدولي مؤخراً ويحدث الآن ، فقد أصبحت الصين بقوّتها الاقتصادية وروسيا بقوّتها العسكرية والهند بالتطّور الحاصل فيها، تمثل القوة الأكبر امتداداً في جغرافيا العالم عسكرياً واقتصادياً وسياسياً ..هذه الحقيقة قزّمت الدور الاستعماري الجديد في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ، سواء من الولايات المتحدة الأميركية أو من أوروبا، وأوقفت معه  سياق الزمن المتهالك وبالتالي وجدت أميركا نفسها في مؤخّرة الإحداث ..

لقد لعبت سوريا لعبة التاريخ والأحداث معاً وصمدت صموداً أسّس لرؤية جديدة للتأثير التاريخي في الأحداث، باعتبارها جزءاً من تراكمات رست فوق بعضها من أمد بعيد، جدير توظفيها ضدّ الخطأ.. في مقابل هذا حاولت بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة توصيف الجغرافيا في سوريا بالخطأ التاريخي ، والجغرافيا لا تحتكم إلى الأخطاء بقدر ما تتحكّم بها  عوامل التعرية لتلك الأخطاء ..

ومن هنا جاء الحدث السوري كقوة تزداد المناعة فيها قوة وترد من ارتضاها شراً  بعنفوان الصمود ، وبذلك التراكم التاريخي والحضاري وبالحد الأقصى.. ولأن سوريا لم تستعمل أوراقها كلها إلى الآن، في حين طالبوها بالخراب أحرقوا جميع أوراقهم بدءاً من مجلس الأمن إلى المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، إلى التشويه بالكذب على إيران إلى أحجار الشطرنج للمعارضة في الخارج.. لقد نسيت فرنسا أنها تمثّل الذيل المعوّج في التاريخ مند مجيء" ساركوزي" إليها كرئيس وإنها صارت القاعدة الأمامية لإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية .. منذ سقوط "الديغوليون" فيها وضعت فرنسا خارج المنحي السياسي المطلوب، وصارت في منحى الداخل إليه مفقود والخارج منه مولود.

المصدر: الميادين نت

 

إعلان