يوميّات بائسة
الأحد, 14 مايو 2017 00:55

altaltأتابع قضية إضراب الأسرى الفلسطينيين في السجون الصهيونية، وأحاول تجنّب المتابعة قدر المُستطاع. ما الفائدة من متابعة مأساة أعلم أنني عاجزة أمامها؟ هل أجد كمواطنة مصرية ما أفعله سوى الدعاء؟ وما يفيد دعاء من هم مثلي لأولياء الله؟ ربما أرسل لهم طلًبا في أن يقوموا هم بالدعاء لي.

اقترحت صديقة عزيزة أن يحاول المصريون أن يقفوا بالشموع دعماً لقضية الأسرى.

لم أدرِ إن كان ردّ الفعل المُناسب الضحك أم البكاء. منذ ما يزيد عن عامين قتلت امرأة شابة كانت تحمل الورود في أحد شوارع مصر تحية لذكرى شهدائنا. لا أملك شجاعة أن أكدر شباب الناس في تحرك لن يعود بالنفع على الأسرى وربما يزهق روحاً بريئة تحمل وروداً وشموعاً. لا مكان للورود والشموع في مصر الآن.

تيران وصنافير

في زيارته الأخيرة للمملكة العربية السعودية، تسرّبت أخبار عبر وكالات الأنبا وبعض التقارير بأن الرئيس قد وعد الملك بتسليم الجزيرتَيْن التي دفع ثمنهما جنوداً قتلوا على أرضَيْهما، وشباباً حُبِسوا دفاعاً عنهما.

خرج وليّ وليّ عهد المملكة العربية السعودية في تصريح لأحد القنوات الفضائية يؤكّد على ما جاء في الأخبار والتقارير، ولم تصدر الدولة المصرية تكذيباً أو تأكيداً. كما أكّد "سموّه" أنهم ماضون في إنشاء جسر الملك سلمان بين السعودية وسيناء. غزوة مباركة!

لكن الجزيرتَيْن مصريّتان بحكم أعلى جهة قضائية في مصر، ومصريّتهما كما قالت المحكمة مقطوع به.

لم يكن الأمر يحتاج إلى حكم محكمة موقّرة. فالدماء التي سالت على أراضي الجزيرتين تشهد. والشباب الذي خرج مكلوماً مفزوعاً إلى الطرقات يصرخ: تيران وصنافير مصريتان، يشهدون، وشهور السجن الانفرادي والتنكيل لبعض هؤلاء الشباب تشهد، والخرائط، والتاريخ، والغم الذي أصاب جلّ المصريين، اللّهم إلا من بعض الطبّالين المنتفعين، يشهد.

لم يتم تسليم الجزيرتين بعد، على حد علم الشعب المصري على الأقل.

لكننا ننتظر.

داعش

لم يتجاوز الشارع المصري صدمة تفجير كنيستَيْ طنطا والاسكندرية بعد. صور الأطفال والنساء القتلى مازالت تقضّ مضاجع الرأي العام. الأمر ليس عابراً، ولم يعبر، وقد لا يعبر لمدة من الزمن، الناس أصبحت تترقّب أعياد المسيحيين بكثير من القلق والتوتّر.

في حديث له مع جريدة النبأ الإرهابية، قال "أمير جنود الخلافة في مصر" الذي رفض الإفصاح عن اسمه موجّهاً خطابه لـ"المسلمين"، "نحذركم ونشدّد عليكم بأن تبتعدوا عن أماكن تجمّعات ومصالح النصارى، وكذلك أماكن تجمّعات الجيش والشرطة، وأماكن مصالح الحكومة السياسية منها والاقتصادية، وأماكن وجود رعايا دول الغرب الصليبية وانتشارهم ونحوها .. فكل هذه أهداف مشروعة لنا ويسعنا ضربها في أي وقت".

الحقيقة أن أحداً لم يفهم هذا الخبر البتّة.

نحن لا نعلم أن في مصر جنوداً للخلافة، وأن هؤلاء الجنود لهم أمير يُصدر تصريحات. الأمر يبدو بالنسبة لنا ضرباً من ضروب الجنون. ثم إننا لا نفهم أيّ مسلمين الذين يقصدهم سموّ الأمير؟ كما أننا حقيقة لا نعلم ما هي أماكن تجمّعات ومصالح "النصارى"؟ كما أن "سموّ" الأمير يحذّرنا من التواجد في أماكن تجمّعات الجيش والشرطة والمصالح الحكومية السياسة والاقتصادية.

بداية يا سعادتو .. نحن في مصر ليس لدينا أماكن لتجمّعات ومصالح "النصارى". وأودّ أن أذكّر سيادتكم بصورة مصر على الخريطة، ودروس الجغرافيا والتاريخ في المرحلة الثانوية، هذا ما إذا كنت مصرياً ودرست في المرحلة الثانوية المصرية، وإذا كنت درست بالأساس: مصر مربّع كبير مترامي الأطراف، يشقّه خط متعرّج لنهر النيل، أبونا. لماذا هو أبونا، لأننا نعلم من دروس الجغرافيا أن 98% من تعداد السكان يتمركزون على ضفتّي هذا الخط المتعرّج، وهو ما يُسمّى بوادي النيل، هذا الوادي عبارة عن شريط ضيّق جداً، ولا يقوم المصريون بتوسيع هذا الشريط إلا في حال ما إذا وجدوا أنفسهم يجلسون فوق بعضهم البعض حرفياً، فيقومون بتوسيع الوادي بالمقدار الذي يسمح لهم بالجلوس بجوار بعضهم البعض في تلاصق، وهذا ما يفسّر ملاحظة ابن خلدون حين جاء إلى مصر، فقال ما معناه بأن مصر غريبة في زحامها، إذا دخلت البيوت ظننت من ازدحامها ألا أحد يسير في الطريق، وإذا سرت في الطرقات ظننت أنه يوم الحشر وأن الناس قد فرغوا من حسابهم للتوّ، في إشارة إلى الازدحام، والاطمئنان غير المفهوم البادي على وجوه الناس بالرغم من هذا الازدحام الخانق. كما أن السلوك المصري قد توطّن على هذه الثقافة، فإذا ركبت، يا سموّ أمير الجنود، أياً من المواصلات العامة المصرية ستجد أن من بجوارك قد أمال رأسه على كتفك وغط في نوم عميق، وقد تجلس بجوارك امرأة بصحبة أطفالها، ومن دون استئذان تضع الرضيع على فخذك بينما تطعم هي الطفل الأكبر، وتمدّ يدها إليك: امسك الإزازة دي على ما أطلع له الشانداوشت (الساندوتش).

وهذا الوضع، كما ترى يا سموّ أمير الجنود، لا يسمح لمسلمين ولا مسيحيين بأيّ تحرّك إضافي يميناً أو يساراً أو للإمام أو للخلف.

نحن لدينا "أماكن تجمّعات" وفقط، وليس لدينا رفاهية أن نصنّف أماكن التجمّعات وفقاً للديانة. فإذا لم تكن مصرياً بالأساس وعلمت من أحد المسلسلات الرمضانية أن منطقة شبرا مثلاً بها عدد كبير من المسيحيين، فأحب أن أنوّه أن هذه المنطقة تعجّ بالمسلمين  أيضاً، ويمكنك ركوب مواصلة عامة خط شبرا وتسأل من ينام على كتفك إن كان مسلماً أم مسيحياً، وستجد المواصلة تعجّ بالمحجّبات والمسيحيات

. عادي.

إن كنت تقصد يا سموّ أمير الجيوش أنكم ستستهدفون الكنائس، فكما رأيت في تفجير كنيسة الإسكندرية، المارّة الذين قتلتموهم كثير منهم مسلمون. كل هذه السردية بافتراض أنك تعتبرنا مسلمين، أقصد المارّة، والمرأة التي تضع صغيرها على فخذك والرجل الذي ينام على كتفك، والذي قد يكون مسيحياً بالمناسبة. أما إن كنت تقصد شيعتكم من المواطنين، فأنت أيضاً تضعهم في مأزق كبير، فهم في النهاية يسكنون في مساكنهم ويمشون في الطرقات، وينامون على أكتاف الناس في المواصلات العامة، فليس أمام هؤلاء المؤيّدين لكم سوى الهجرة من مصر تماماً إن كانوا لا يريدون أن يقعوا في مرمى تفجيراتكم.

طيّب ما ده اقتراح حلو أهو، هم يهاجرون، وأنتم تهاجرون، وتتركونا لحالنا مثلاً .. هاه؟

الحقيقة أننا نشعر بالخوف بعد هذا البيان، مسلمون ومسيحيون، خاصة أننا لم نعد في زمن الإرهاب الوسطي الجميل الذي كان يجدي معه دروعاً بشرية حول الكنائس يشكّلها المسلمون، أو مؤتمرات دينية يعقدها الشيوخ مع القساوسة، لأننا نتعامل مع تنظيم مختلّ عقلياً تماماً.

أي مصالح حكومية يطالبونا بالابتعاد عنها؟

يعني من المفترض على المسلم، أن يترك مسكنه إذا ما كان في بنايته أسر مسيحية، وكل بناية فيها على الأقل أسرة مسيحية واحدة، وألا يسير في الشوارع لأن بها كنائس، وألا يركب المواصلات خط شبرا، وألا يقترب من "تجمّعات" الجيش، علماً بأن التجنيد في مصر إجباري، وعليه، فكل بيت فيه أخوين ذكور، لا بدّ أن أحدهما على قوة الجيش المصري، وألا يدخل قسم الشرطة ليبلغ عن سرقة حافظته أو اصطدام سيارته بسيارة أخرى، وألا يذهب إلى المصالح الحكومية ليجدّد رقمه القومي مثلاً، أو يحصّل معاشه، أو يقدم على طلب شراء سيارة بالتقسيط، كما أننا لا يجب أن نتواجد في أماكن تجمّع الأجانب، يعني لا مقاهي، ولا مطاعم، ولا مصايف، يعني لا نقعد في البيت ولا نمشي في الشارع، لم يعد أمام "المسلمون" الذين تحذّروهم سوى ترك البلاد. وبالمناسبة، ليس لدى أي مصري، مسلماً كان أم مسيحياً، أدنى مانع في ترك البلاد، لكن ظروف الهجرة صعبة شويّة.

مصدر الخوف لم يعد من داعش، لأنها ليست مخيفة بهذا الشكل، خاصة بعد أن تابعنا التسجيل المصوّر الذي بثّه داعش وهو يتحدّث عن قنص الجنود المصريين، وبدا في هذا التسجيل مدى فشلهم وعدم حرفيّتهم وجبنهم، لكن مصدر الخوف هو ما يبدو من عدم الحرص الأمني، والارتباك في أجهزة الدولة الذي دفعها لإطلاق سراح شخص تم ترحيله من دولة الكويت إلى مصر، بتهمة الانتماء لداعش مما مكّنه من تنفيذ عمليته بالاسكندرية، كما أن منفّذ عملية طنطا كان قد حاول تنفيذ عمليته قبل الحادث بعشرة أيام لكنه فشل، بس ربنا وفقه وعرف ينفذها .. والتكرار يعلّم الشطار.

حين قلنا أن هناك تقصيراً أمنياً في حماية الكنائس، قامت الدولة بإجراءات مشدّدة للحماية ... عملت إيه بقى؟ قرّرت منع كل من ينتمي إلى محافظة قنا من السفر إلى سيناء إلا بتصريح عمل! إصحى للكلام.

فقد تبيّن من التحقيقات أن منفّذي العمليّتَيْن ينتمون إلى محافظة قنا، يبقى إيه؟ يبقى القناوية إرهابيين، معروفة يعني، طيّب نعمل إيه؟ نمنعهم يروحوا سيناء ... مع إن يعني هم نفّذوا عملياتهم في طنطا والإسكندرية وليس في سيناء.

الكلام ده واعر قوي، ما يفهموش إلا اللي دماغه متكلفة، والمخدرات الأيام دي غالية، فأغلب المصريين مش معاهم فلوس عشان يحاولوا يفهموا الحقيقة. ما يخيفنا هو أننا لا نعلم إن كانت السلطات المصرية ستتمكّن من التعامل مع هذه التهديدات أم أننا سننتظر التفجير القادم، والجنازات القادمة، والفزع القادم.

الرونق العام

كما أن السلطات أيضا مشغولة بأمور أخرى، وكما يقول المثل المصري "صاحب بالين كداب". بقول آخر، لا يبدو لنا أن السلطات المصرية مستغرقة تماماً في مكافحة الإرهاب، ويبدو أنها تنتظر مثلنا، خاصة أنها مش فاضية لنا الحقيقة ولا للعب العيال بتاع الإرهابيين ده، فالدولة أمامها مهام جسام عليها إنجازها. مثلاً، مشروع قانون مواقع التواصل الاجتماعي المطروح في مجلس النواب، والذي يقترح ألا يقوم مواطن مصري بفتح حساب على فيس بوك أو تويتر من دون الحصول على تصريح أمني.

يعني حضرتك كده، عشان أفتح أكاونت أنزل القسم أخد تصريحاً، ويسألوني: وعايزة تفتحي الأكاونت ده ليه؟ فمثلاً أردّ وأقول: عايزة اتسلّى، أو واحد يرد يقول: بصراحة عايز أشقط بنات، أو شخص آخر يقول: حاسس إني وحيد وعايز أرغي.

ما هو الواحد بيفتح أكاونت فيس بوك ليه؟ عشان يقفل طيارات؟ ما هو إما أن لديه وقت فراغ يريد أن يضيعه في الكلام، أو ليس لديه وقت فراغ ويريد معرفة أخبار أصدقائه وأقاربه من دون الاضطرار لزيارتهم، أو يبحث عن علاقة جادة!

هناك مهام جسام أخرى تشغل الدولة، مثل منع بعض الناس من السفر من دون إبداء للأسباب، خاصة أن هؤلاء الناس لا ينتمون إلى داعش، ولا إلى فكرها، ولا يؤيّدونها وليس لهم أدنى علاقة بها من قريب أو بعيد، وقد يصبح أحدهم من ضحاياها، لا قدّر الله، في يوم من الأيام.

كما أن هناك مهمة مطاردة الصحفيين مثلاً، مثلما حدث مع طارق حافظ  المتّهم بـ"خدش الرونق العام للمجلس الأعلى للقضاء"! وأظن أن الرونق العام له الأولوية على مسألة التفجيرات وتهديدات داعش التافهة.

ما زال قانون مواقع التواصل الاجتماعي في إطار المناقشة ولم يتم تفعيله. ومازال طارق حافظ متّهماً بخدش الرونق العام.

ومازلنا ننتظر.

الحدود مع ليبيا

قرأنا على حساب القوات المسلّحة على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك"، أن القوات الجويّة المصرية قامت بعملية نوعية ضدّ مواقع داعش على الحدود المصرية الليبية وأحبطت محاولة لتهريب السلاح.

الحمد لله.

هذا في المجمل خبر سار.

لكن بالنسبة لسيناء .. شو؟

وبالنسبة للعناصر التي تفد إلينا عبر الدول العربية وتقوم السلطات بإطلاق سراحهم .. شو؟

ها نحن ننتظر.

الميادين نت

 

إعلان